المكتبة ليست رفوفا من الورق الصامت، بل كواكب كاملة تدور في فضاء العقل. فيها نجوم لامعة من أفكار البشر، وشموس ساطعة من تجاربهم، ونفائس أنفاس كُتبت في لحظات صدق، خوف، شغف، ويقين. هي كما وصفها عميد القرّاء في العالم (ألبرتو مانغويل): "مرآة الكون". نرى فيها ما كنّا، وما نحن عليه، وما يمكن أن نصبحه. لكل قارئ مكتبته الخاصة، حتى وإن لم يملك سوى كتاب واحد، فهي حديقته السرية وبوابة عبوره إلى عوالم لا تُقاس بالمسافة، بل بالدهشة. معانٍ كدتُ أشهدها عيانا وإن لم تشهد المعنى العيون وألفاظٌ إذا فكرتُ فيها ففيها من محاسنها فنون. في زمن الضجيج، تصبح القراءة همسا نادرا، فعل إنصات طويل لعالم لا يحب الصبر. الكتاب لا يصرخ، ولا يطلب الانتباه، لكنه ينتظر القارئ الذي يأتي إليه ببطء. القراءة ليست جمعا للمعلومات، بل تهذيب للحس، وتدريب للروح على رؤية ما لا يُقال. لهذا تبقى المكتبة فعل مقاومة هادئة، تحفظ للإنسان حقه في التأمل، في التساؤل، وفي إعادة ترتيب الداخل بعيدا عن صخب اللحظة. ما حرّك هذا النص هو مشهد ثقافي يتكرر كل عام في القاهرة، لكنه لا يفقد دهشته: (معرض القاهرة الدولي للكتاب). هناك، تخرج الكتب من عزلتها، وتختلط بالوجوه، وتتنفّس مع القرّاء، أكثر ما يلفتني في هذا المعرض ليس حجمه ولا تاريخه فقط، بل تلك الحيوية التي تتجدد كل عام عبر الإصدارات الجديدة، والتنوع اللافت في العناوين، من الفكر إلى الرواية، ومن التاريخ إلى العلوم الإنسانية، وكأن المعرض يقول: الثقافة لا تزال قادرة على التجدد. ويمتاز (معرض القاهرة الدولي للكتاب) عن غيره من معارض الكتاب العربية بروح المبادرة لا الاستعراض. تخفيضات حقيقية، أسعار رمزية، اهتمام بالطلاب، وإتاحة واسعة للكتاب في طبعات مناسبة. هنا يُفهم نشر القراءة بوصفه مشروعا مجتمعيا، لا نخبوية ثقافية. فالكتاب لا يغيّر المجتمع إذا بقي حبيس الرفوف أو حكرا على القادرين، بل حين يصبح في متناول اليد، وقريبا من الحياة اليومية للناس. ومن المبادرات الثقافية الجميلة لديهم هذا العام مشروع «مكتبة لكل بيت»، وهي فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة الأثر. إعادة الاعتبار للكتاب داخل البيت، لا كقطعة ديكور، بل كجزء من المشهد اليومي. إتاحة عشرين كتابا متنوعا من إصدارات وزارة الثقافة، إلى جانب «حقيبة نجيب محفوظ» التي تضم خمسة عشر عملا من أعماله، بسعر رمزي، هو استثمار في الوعي لا في الورق. (نجيب محفوظ) هنا ليس اسما أدبيا فقط، بل ذاكرة سردية كاملة، تُعلّم القارئ كيف يفهم المدينة، والإنسان، والتحولات الكبرى دون ضجيج. ختاما، نعم، القراءة حياة، لكنها ليست الحياة كلها. لا يمكن للإنسان أن يعيش بين الصفحات فقط، كما لا يمكنه أن يعيش خارجها تماما. القراءة هي الضوء، لا الطريق؛ البوصلة، لا الرحلة. تمنحك خلاصة التجربة دون أن تعيش كل ألمها. لكن خبرة الحياة هي التي تُغذّي النص وتمنحه معنى. الاختلاط بالناس، التعايش مع المواقف، قبول التحديات، والاحتكاك بالواقع، ذلك هو الوقود الحقيقي للفهم. وبالقراءة مع الحياة، وبالفكر مع التجربة، يصبح الإنسان أعمق، وأكثر توازنا، وأقرب إلى ذاته. زار الشاعر (أمل دنقل) صديقه (جابر عصفور)، ولما رآه غارقا وسط الكتب ضحك قائلا: "لن تصبح ناقدا جيدا بهذه الكتب، لا بد من نزولك إلى الشارع وخوض التجربة لكي تمتلك رؤية، فالناس هم الرؤية".