تعد العلاقة بين مجالس الإدارات والرؤساء التنفيذيين اليوم أحد أهم محددات نجاح الحوكمة واستدامة الشركات، لكنها في كثير من الأحيان علاقة مثقلة بسوء الفهم وتضارب التوقعات، نتيجة اتساع الفجوة بين من يضع التوجه الإستراتيجي ومن يتولى التنفيذ اليومي، ما انعكس ذلك توتراً في القرارات وضعفاً في الأداء وارتفاعاً في مخاطر الحوكمة؛ وفي عصر التحولات المتسارعة والضغوط التنافسية المتزايدة، تبرز فجوة الثقة بين مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي كأحد أبرز التحديات في حوكمة الشركات الحديثة، إذ لم تعد العلاقة بين الطرفين تقليدية رقابية بحتة، بل أصبحت شراكة استراتيجية حاسمة لضمان التكيف مع التقلبات الاقتصادية والتكنولوجية؛ ومن هنا تصبح مهمة سد هذه الفجوة ليست ترفاً تنظيمياً، بل ضرورة إستراتيجية تقوم على وضوح الأدوار، وتوازن السلطة، وبناء ثقة متبادلة تحول العلاقة من منطق الرقابة الصدامية إلى شراكة في القيادة والمسؤولية، ما يقتضي إعادة تعريف الدورين وفهم مهامهما لتعزيز الاستدامة المؤسسية. حيث تشير الأدبيات الحديثة في حوكمة الشركات إلى اتساع فجوة الثقة بين مجالس الإدارات والرؤساء التنفيذيين في مرحلة تتسم بتسارع التغيير وتزايد عدم اليقين؛ فلم تعد العلاقة بين الطرفين مجرد إطار رقابي تقليدي، بل تحولت إلى عامل حاسم في قدرة الشركة على التكيف مع التحولات التقنية والتنظيمية والاقتصادية المتلاحقة؛ وفي هذا السياق، يبرز تساؤل جوهري: كيف يمكن إعادة ضبط هذه العلاقة بحيث تنتقل من مساحة الشك المتبادل إلى شراكة استراتيجية متوازنة، تحفظ متطلبات المساءلة من جهة، وتتيح للرئيس التنفيذي هامش المبادرة والابتكار من جهة أخرى؟، حيث تظهر الاستطلاعات العالمية لآراء الرؤساء التنفيذيين وأعضاء مجالس الإدارات أن التباين لا يتعلق فقط بتقييم الأداء، بل يمتد إلى فهم الأولويات، وحدود الدور، وطبيعة المعلومات المتبادلة بين الجانبين؛ وفي كثير من الأحيان يميل المجلس إلى التركيز على مؤشرات مالية قصيرة الأجل، بينما ينظر الرئيس التنفيذي إلى استثمارات طويلة المدى في التحول الرقمي وبناء القدرات البشرية لا تنعكس فوراً في النتائج الربعية؛ هذا الاختلاف في أفق الزمن الاستراتيجي يخلق حالة من سوء الفهم المتبادل، وتتضخم معه الشكوك حول النوايا، وتضعف جودة الحوار في قاعة نقاش المجلس؛ ومع تصاعد الضغوط التنظيمية والمجتمعية على الشركات، تصبح هذه الفجوة أكثر خطورة لأنها تستهلك طاقة الإدارة التنفيذية العليا في إدارة العلاقة مع المجلس بدلاً من توجيهها نحو السوق والمنافسة. ولهذا نقول: إعادة ضبط العلاقة بين المجلس والرئيس التنفيذي تبدأ أولاً بإعادة تعريفها على أنها شراكة في تحمل المخاطر وصناعة القرار، لا مجرد علاقة رقابة من طرف واحد؛ ويتطلب ذلك تطوير آليات منتظمة للحوار الاستراتيجي العميق، تتجاوز استعراض الجداول المالية إلى مناقشة الافتراضات التي تقوم عليها الاستراتيجيات، وحدود المخاطرة المقبولة، وترتيب الأولويات في المدى المتوسط والبعيد؛ كما يستدعي الأمر شفافية أكبر من جانب الرئيس التنفيذي في مشاركة التحديات الحقيقية التي يواجهها، وفي المقابل استعداداً من المجلس للاستثمار في فهم ديناميكيات السوق وأثر التقنية بدلاً من الاكتفاء بقراءة التقارير؛ ففي البيئات الاقتصادية الطموحة، ومنها بيئة وطننا الواعدة والتي تشهد تحولات هيكلية واسعة، تصبح هذه الشراكة المتوازنة بين المجلس والرئيس التنفيذي شرطاً لازماً لتعظيم القيمة، وحماية الاستدامة، وترسيخ ثقافة مؤسسية قادرة على مواكبة طموحات الوطن وتطلعات المجتمع.