ليست الخيرية الحقة في كثرة الشعارات ولا في بريق الألقاب، وإنما في قدرة الإنسان على تسخير علمه لنفع الناس، وجعل معرفته وسيلة لإقامة العدل لا أداة لتحقيق المكاسب الضيقة. فالعلم أمانة في عنق صاحبه، وكل أمانة لا تُؤدّى حق أدائها تتحول من نعمة إلى عبء، ومن زكّى علمه بخدمة المظلومين ونصرة الحق، نال بركة المهنة ورضا الضمير، قبل أن ينال ثناء الناس أو عوائد الدنيا. وفي سماء المحاماة، يسطع فعل الخير كنجمة لا تأفل؛ يضيء طريق العدالة حين تغشاه غيوم المصالح، ويذكّر المحامي بأن أعظم انتصار لا يُقاس بعدد القضايا الرابحة ولا بحجم الأتعاب، وإنما بإنصاف إنسانٍ لا يملك صوتًا، ولا سندًا، ولا قدرة على الدفاع عن نفسه. هنا تتجلى المحاماة بوصفها رسالة أخلاقية سامية، لا مجرد مهنة تُمارَس بمنطق الربح والخسارة. زكاة العلم في المحاماة لا تقتصر على تقديم العون المجاني أو التطوعي، على أهميته، وإنما تبدأ من الالتزام الصادق بالحق، والوفاء مع الموكل، والعدل مع الخصم، واحترام هيبة القضاء، وصون أسرار الناس وحقوقهم. هي أن يكون المحامي أمينًا في رأيه، شجاعًا في نصيحته، صادقًا في موقفه، لا يُلبس الباطل ثوب الحق، ولا يستغل جهل الناس بالقانون لتحقيق مصلحة آنية أو شهرة زائفة. أما زكاة العمل، فهي أن يتحول العلم من نصوص جامدة في الكتب إلى مواقف حية في ساحات القضاء، ومن محفوظات إلى ضميرٍ يقظ يستشعر ثقل الكلمة وخطورة القرار. هي أن يدرك المحامي أن قلمه قد يرفع مظلمة أو يصنع ظلمًا، وأن كلمته قد تُنقذ إنسانًا أو تُثقل كاهله، فكل مذكرة تُكتب، وكل دفوع تُقدَّم، هي شهادة أخلاق قبل أن تكون إجراءً قانونيًا أو مهارة مهنية. والمحاماة من أكثر المهن حاجةً إلى زكاة العلم والعمل؛ لأنها تتعامل مباشرة مع آلام البشر ونزاعاتهم وضعفهم وأخطائهم، وتختبر يوميًا صدق المبادئ التي يرفعها أصحابها. وفي هذا الميدان الحساس، لا مجال للحياد الأخلاقي؛ فإما أن يكون المحامي نصيرًا للعدل، أو شريكًا في الظلم بصمته أو تبريره. والفرق بينهما قد يكون موقفًا واحدًا، أو قرارًا صعبًا، يختار فيه المحامي الانحياز للعدل رغم كلفة الطريق. كما أن من صور زكاة العلم في المحاماة، الاهتمام بمساعدة المحتاجين وغير القادرين على الوصول إلى حقوقهم، وتقديم المشورة القانونية الصادقة لمن يجهلون سبل الدفاع عن أنفسهم. فالمحتاج لا يطلب فضلًا، وأنما حقًا، ولا ينتظر منّة، وإنما عدالة. وحين يضع المحامي علمه في خدمة هؤلاء، فإنه لا يتنازل عن مكانته، بل يسمو بها، ويجعل من مهنته جسرًا للإنصاف وحفظ الكرامة الإنسانية. * محام سلمان الرمالي