بداية من هو المحامي ؟ أعلم أنهم يعرفون المحامي بأنه الوجه الاخر للقضاء وغير ذلك من التعريفات الاكاديمية والقانونية , ولكني أتكلم كأي انسان عادي على فطرته يعرف أن هذا المحامي انسان قبل أي شيء , وأقصد بكلمة انسان هنا أنه بشر , لا أقصد المصطلح المتعارف عليه بأنه الشخص الذي يتعامل مع الأمور بمراعاة الضمير لوضع الانسان وكرامته والرحمة به فحسب , بل أقصد بكلمة (المحامي الانسان) معناها المجرد أنه انسان أي بشر , له دوافع ونوازع , ونزوات وروادع , يضطرب بداخله الحق والباطل والشر والخير , وله متطلبات معيشية تتقلب بين الضروريات والحاجيات والتحسينيات . و للمحامي عائلة تحتاج للقوت , تجوع وتشبع وتشافى وتمرض , وتطلب الترفيه وكلما جاءها عارض ألقت بثقلها على كاهل ذلك الانسان الذي يعولها ويدعى المحامي, وهو الذي لم يسمح له النظام بمهنة تعضد المحاماة , ليعمل لها خالصا دون غيرها.. والظلم يحدق بالناس من كل جانب وغالب المظلومين من الضعفاء الفقراء , وربما الجهلة المساكين , الذين لا يملكون قوتهم الكافي فضلا عن أتعاب المحامي .. وبمجرد ارتفاع الوعي القانوني والثقافة القضائية قليلا , يعرف ذلك المظلوم الفقير الذي لا يملك شيئا أن هناك إنسان متخصص في الدفاع عن المظلومين ضد الظلمة الجبارين ويسمى المحامي , يتوجه إليه بعين باكية , ومظلمة بينة , ويد خاوية .. يتلقاه المحامي , وهو مبتديء معدم , لا يملك إلا قوت شهره, وكفاف عياله , ويطالبه المجتمع بكافة الكماليات والأساسيات التي تليق به كمحام , ولأنها لم تمر إلا عشر سنوات على تنظيم المحاماة (1423), فإن المحامي يعتبر من الكائنات النادرة والمحتفى بها في وطننا , على عكس شقيقتنا الكبرى مصر , فما من شبر فيها إلا محام للنقض أو للاستئناف أو للابتداء .. هنا وفي هذا المشهد أتكلم عن أخلاقيات المحامي من ناحية مسئوليته الانسانية , أمام تخلي المجتمع المدني والقطاع الحكومي عن التكفل بمثل تلك الاتعاب التي تعين الفقير المظلوم لاسترداد مظلمته , عدا بعض القضايا التي ينشط فيها بعض المهتمين في حقوق الانسان .. ولن أتهمهم في دوافعهم حتى لو ظهروا في صور الجرائد .. هنا ونحن في مكتب المحاماة وعلى يميننا فقير مظلوم لا مال له , ولا يجيد الترافع والدفاع عن حقه , و فقير آخر لكنه المحامي الذي لا مال له أيضا , ولا يسمح له النظام بغير هذا المجال لكسبه , نترقب موقف هذا المحامي , هل يسمع لدافعه الانساني القيمي في الدفاع عن المظلوم بلا مقابل, أو بتحميله ما يرهقه من أعباء , وهو مع الموقف الأول سيقتل أهله من الجوع , وفي الثاني سيقتل أهل الفقير من الجوع , فهو بين نارين.. في اليوم التالي يأتي رجل غني (يشتري الناس بفلوسه كما يقال) له قضية تكسب المحامي الفقير ملايين , نعم ملايين أي أبو ستة أصفار , ولن نتكلم عن صدمته المتوقعة , لكننا سنتحدث عن القضية , التي هي مقابل اقتطاع حق مساكين في أرض وضياع بثمن بخس , و هذا المحامي سيكون طرفا فيها , يشرع للباطل , وهنا ننتظر رد ذلك المحامي الفقير هل سيستجيب لبريق الذهب وخرشفة الريالات ويقف في صف الظالم ثم يستغفر الله ولا يعود لذلك ثانية , أم أن رادع الأخلاق والمباديء الدينية والمهنية ستدعوه للتخلي عن هذه القضية الظالمة, وهو مع ذلك يتذكر عياله ومجتمعه , ويتذكر ستة أصفار تنتظره ..وهاهو صاحبنا المحامي المسكين يعود بين نارين من جديد .. لن أتحدث عن "أنه في الغرب يوجد .." أو "انه في الشرق يفعل ..." , بل سأدخل للمحكمة وأحدث القاضي وجها لوجه , لماذا أيها القاضي لا تبين للمترافع الذي لا يجيد الترافع عندك أن بإمكانه توكيل محام , يشفع لك في ذلك حرصك على ظهور الحق , ومساهمتك في رفع الوعي الحقوقي , لماذا لا تحاول أن تبين لهذا المظلوم حقوقه القانونية ولا أقصد حقوقه في صلب القضية , بل حقوق ضمنتها الأنظمة , وهي عامة لم يسمع بها ذلك المظلوم أو حتى الظالم .. أعتذر إليك فضيلة القاضي , وأعرف أنك تحتاج للقهوة ولابد من الراحة لفضيلتك , لتحكم وأنت بمزاج رائق , ولكن غيرك لا يحتاج لذلك بل يحتاج لمعرفة حقوقه.. نعم .. نعم .. ينبغي أن يكون كذلك , ينبغي أن تنشأ جمعيات مدعومة من الدولة , لتتحمل تكاليف المحامين في الترافع عن الفقراء , وهذا كما تفضلت أيها القاضي يعينك في وضوح القضايا , ويريح ضميرك في معرفة المقصود من الألفاظ والمصطلحات , ويجعل الانجاز أسرع , والعدالة أظهر.. أعرف ستقولون إنني أتحدث على فرضية أن المحامي فقير, لنقل أنه محتاج على الأقل , أو لديه رغبة في تحسين أوضاعه , لأن فترة بزوغ شمس المحامين لم تصل للضحى, عشرة أعوام فقط , و خريجو الجامعات الشرعية والقانونية يتدافعون على بابها , لا زالوا بحاجة المال .. إذن , لماذا نترك المحامين لروادعهم ودوافعهم الأخلاقية فقط؟! كما قيل (رماه في اليم مكتوفا وقال له.. إياك إياك أن تبتل بالماء) , ألا نوجد لهم جمعيات وتنظيمات تعينهم على الوقوف مع المظلوم في كل حال , ويبقى الشاذ منهم تحت الحساب الرادع ,ولا نتناسى أن للمحامين مزاج واحتياج تماما كالقضاة وأكثر , ألم نتفق سلفا أنهم الوجه الآخر للقضاء ( جميع التعليقات على المقالات والأخبار والردود المطروحة لا تعبر عن رأي ( صحيفة الداير الإلكترونية | داير) بل تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولإدارة الصحيفة حذف أو تعديل أي تعليق مخالف)