قبل نهوض أي مشروع سواء كان تجاريا أو حكوميا أو ضمن القطاع الثالث لا بد في خطوته الأولى القيام دراسة السوق وفهم اتجاهاته العامة (Industry Trend) ومعرفة العوامل الخارجية المتعلقة به من وضع اقتصادي وسياسي وأنظمة وتقنية، كذلك القيام بالأبحاث المختلفة الأخرى لمعرفة الفرص والمخاطر وعلى سلوك وتوجهات المنافسين. إضافة إلى الأبحاث التسويقية الخاصة بالجمهور لتحديد الشريحة المستهدفة ومعرفة احتياجاتها ورغباتها وصفاتها وسلوكها وطريقة تفكيرها وميولها وآرائها، والتي تصنف فيها البيانات إلى ثلاثة أنواع رئيسة هي البيانات الديموغرافية التي تساعد على تصنيف الشخص ضمن التركيبة السكانية في المجتمع كالجنس والعمر والدخل وغيرها، وثانيها البيانات السلوكية وهي التي تتعلق بسلوك الشخص تجاه مواقف معينة مثل أسلوب شرائه ومدى تكراره، وثالثها البيانات النفسية وهي البيانات التي تتعلق بنمط حياة الفرد وأفكاره ومعتقداته مثل الاهتمامات والآراء والاتجاهات والقيم وأسلوب الحياة وهذه البيانات لا يمكن الحصول عليها بشكل مباشر لصعوبة التعبير عنها إنما تحتاج إلى القيام بربط البيانات مع بعضها البعض للوصول لمعلومة محددة مع بعض الجهد في الدراسة والتحليل. إضافة إلى كل ذلك ما يتعلق بدراسة تجربة العميل حيث إن تشابه المنتجات والخدمات وتقارب أسعارها، يحد من المنافسة الحقيقية التي أصبحت قائمة على كيفية شعور العميل أثناء تعامله معها، منذ لحظة الوعي الأولى مرورًا بالشراء وصولًا إلى ما بعد البيع، أيضا سهولة الموقع الإلكتروني ووضوح الرسائل وسرعة الاستجابة وأسلوب الموظفين وحتى آلية معالجة الشكاوى جميعها تسهم في تشكيل الانطباع العام لدى العميل، لأن العميل اليوم يقارن تجربته مع جميع العلامات التي تعامل معها سابقًا، لذلك فإن تجربة واحدة سلبية قد تكون كافية لفقدانه، بينما تجربة إيجابية متقنة قد تحوله إلى عميل وفيّ وسفير للعلامة التجارية. أما فيما يخص أبحاث التسويق الرقمي فقد أصبحت هي المحرك الأساسي في العصر الحالي حيث تعتمد على تحليل البيانات الضخمة التي تتركها الآثار الرقمية للمستخدمين، فتبدأ بتحليل الكلمات المفتاحية لمعرفة ما يدور في أذهان الجمهور لحظة البحث في محركات البحث مما يكشف عن الاحتياجات الحقيقية، إضافة إلى أبحاث مراقبة المنافسين عبر الأدوات التقنية التي تحلل حجم الزيارات لمواقعهم ومصادرها ومدى فاعلية حملاتهم الإعلانية، كذلك الأبحاث الخاصة باستخراج البيانات النفسية من منصات التواصل الاجتماعي والتي تسمى تحليل المشاعر (Sentiment analysis) وهي نهج جديد للتنقيب عن الرأي من خلال تحديد النغمة العاطفية في النص المكتوب للمتابعين لمعرفة آرائهم حول المنظمة أو المنتج أو الخدمة أو الفكرة التي تصنف إلى موجبة أو سلبية أو محايدة، والأبحاث الأخرى التي تساعد في الحصول على بعض هذه البيانات من خلال ما يسمى بالخريطة العاطفية (Empathy Map) عبر فهم المستهلك النهائي بشكل مفصل ومعرفة سلوكه المرتقب عند حدث معين وكيف يرى ذلك وكيف يفكر فيه وكيف يشعر به وماهي ردة فعله. إن القيمة الحقيقية لأبحاث التسويق اليوم لا تكمن في جمع البيانات بقدر ما تكمن في تحويل هذه البيانات إلى رؤى قابلة للتنفيذ، فالسوق أصبح أكثر تعقيداً والمستهلك أكثر وعياً والمنافسة أشد ضراوة، ومع ذلك فإن المؤسسات التي تستثمر في الفهم العميق لعملائها، وتقرأ اتجاهات السوق بذكاء وتبني قراراتها على تحليل علمي متماسك، هي وحدها القادرة على تحقيق ميزة تنافسية مستدامة.