يمثل الفساد المالي والإداري أحد أخطر التحديات التي تواجه الدول والمؤسسات، لما يترتب عليه من آثار مدمرة تمسّ العدالة الاجتماعية وتعيق التنمية الاقتصادية. ومع التحولات الحديثة في أساليب الإدارة والحوكمة، أصبح من الضروري تعزيز الجهود الوطنية للحد من الفساد، ليس فقط عبر الإطار التشريعي والرقابي، بل من خلال التوعية القانونية المستمرة التي تبني مجتمعاً واعياً بحقوقه وواجباته، وقادراً على فهم ممارسات الفساد وتمييزها والإبلاغ عنها. وفي هذا السياق، تأتي أهمية توظيف قنوات الاتصال المرئي كمنصة فعالة لنشر الوعي القانوني، كونها الأكثر وصولاً إلى الموظفين والجمهور بمختلف فئاتهم. فقد غيّر الإعلام الرقمي طرق التواصل، وفرض واقعاً جديداً يجعل محتوى الفيديو والرسائل البصرية أسرع تأثيراً في تشكيل السلوكيات والمواقف. وعندما تقترن هذه القنوات بشراكات مؤسسية قوية، يصبح تأثيرها مضاعفاً. ومن أهم الجهات التي يمكن أن تشكّل نواة هذه الشراكة هيئة الرقابة ومكافحة الفساد "نزاهة"، كونها الجهة المختصة بمكافحة الفساد المالي والإداري في المملكة، وصاحبة الخبرة التشريعية والرقابية والمعرفية في هذا المجال. كما تسهم الجامعات السعودية ممثلة بكليات الشريعة والقانون في تعزيز الجانب العلمي والإثراء القانوني، عبر تقديم محتوى متخصص يربط النصوص النظامية بالتطبيق العملي، بما يضمن جودة الرسائل الهادفة للمجتمع. إن توحيد جهود هذه الجهات في برامج توعية مرئية موجّهة للموظفين في القطاعين العام والخاص، وللمجتمع ككل، يعد خطوة استراتيجية لحماية المال العام، وتعزيز ثقافة النزاهة، ورفع مستوى الالتزام بالأخلاقيات المهنية. وتشمل هذه البرامج تعريفاً بأنماط الفساد مثل الرشوة، واستغلال النفوذ، واختلاس الأموال، وتزوير المستندات، وإساءة استخدام السلطة، إضافة إلى توضيح العقوبات النظامية والإجراءات المتبعة في ملاحقة المتورطين. ويمكن كذلك نشر قصص واقعية دون ذكر أسماء توضّح كيف قد تبدأ بعض المخالفات بتصرفات بسيطة ثم تتفاقم لتصبح جرائم جسيمة تهدد المنظمات وتزعزع استقرارها. فالسرد الواقعي يعزز فهم الأفراد لخطورة التجاوزات، ويقرب الأنظمة من حياتهم العملية. وإلى جانب البرامج المرئية، تأتي الدورات التدريبية والندوات التخصصية عبر الاتصال المرئي الحي كوسيلة مهمة لترسيخ الوعي على نحو أعمق وأكثر تفاعلاً. فإقامة ورش مباشرة تُبث عبر الاتصال المرئي الحي بإشراف متخصصين من "نزاهة" وكليات الشريعة والقانون، توفر منصة تفاعلية تسمح بطرح الأسئلة والنقاشات المباشرة، وتتيح للموظفين فهم الأنظمة وتطبيقاتها بشكل فوري وعملي. كما تسهم الندوات العامة المباشرة في مناقشة المستجدات القانونية وبناء ثقافة مجتمعية ترفض الفساد بجميع أشكاله. وفي إطار تعزيز هذه الجهود، يبرز التنسيق مع وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية كخطوة محورية، عبر اشتراط استكمال الموظف لدورات متخصصة في مكافحة الفساد المالي والإداري قبل تعيينه أو منحه أي ترقية وظيفية. هذا الاشتراط يعزز التزام الموظف بالمعرفة النظامية، ويرفع مستوى الوعي المؤسسي، ويضمن أن التعيين أو الترقيات لا تُمنح إلا لمن يمتلك وعياً قانونياً ومهنياً يليق بالمسؤولية الجديدة. كما تسهم هذه الخطوة في بناء بيئة عمل أكثر نزاهة، وتحد من المخالفات أو الجرائم الناتجة عن الجهل أو ضعف المعرفة. ولا يقتصر الدور التوعوي على الموظفين فقط، بل يشمل المجتمع بأكمله، فمكافحة الفساد مسؤولية مشتركة تتطلب مشاركة الجميع. فالمجتمع الواعي يشكل خط الدفاع الأول، ويعزز ثقافة النزاهة والإبلاغ عن أي تجاوزات عبر القنوات الرسمية. وتؤكد التجارب العالمية أن الوقاية أفضل من العلاج، وأن بناء ثقافة النزاهة أكثر استدامة من مجرد فرض العقوبات. فحين يدرك الفرد أثر الفساد على التنمية، ويعي مسؤولياته الأخلاقية والقانونية، تقل فرص الانحراف وترتفع قيم الانضباط. وفي الختام، فإن التوعية القانونية عبر القنوات المرئية، والدورات المتخصصة، والندوات العلمية، وورش الاتصال المرئي الحي، إلى جانب التنسيق مع وزارة الموارد البشرية باشتراط استكمال دورات مكافحة الفساد قبل التعيين أو الترقية، تمثل منظومة متكاملة لحماية المال العام وتعزيز النزاهة. وهي خطوات متماشية مع رؤية المملكة في ترسيخ الشفافية، وبناء مجتمع قوي يدرك أن مكافحة الفساد ليست مجرد إجراء تنظيمي، بل واجب وطني ومسؤولية جماعية نحو مستقبل أكثر نزاهة واستقراراً.