يتطرّق الشاعر والفيلسوف أبو العلاء المعري إلى أسلوب التجاهل، ويفسّره كطريقة للتعامل مع الجهل ذاته، باعتبار أن العلة قد تُداوى من جنس العلة نفسها؛ اقتباسًا من المثل الشهير: " وداوها بالتي كانت هي الداء!" وذلك حين يرى أن الجهل قد أصبح متفشياً بين الناس، ظاهرًا في تفكيرهم، وبارزًا في أخلاقياتهم وتعاملاتهم اليومية، أو في انطوائهم عن القيم المعنوية، وانشغالهم بقشور الأمور، ووقوفهم عند ظاهرها دون النفاذ إلى جوهرها. فيقول المعري: لَمّا رأيتُ الجهلَ في الناسِ فاشيًا تجاهلتُ حتى ظُنَّ أنّيَ جاهلٌ فوا عَجَبًا كم يدّعي الفضْل ناقصٌ ووا أسَفًا كم يُظْهِرُ النّقصَ فاضلٌ ويتعجب من صفاقة الجاهل وتجرؤه بادعاء الفضيلة، أو تزعم امتلاك المعرفة، في حين أنه جاهل بجهله، أو سفيه بطيشه وفساد أخلاقه وطبعه، فيما يعرف في المفاهيم الحديثة بالجهل المركب، وهو جهل المرء بكونه جاهلًا أصلاً. وهناك نوع آخر من الجهل، وهو الجهل البسيط، الذي يزول بمجرد الحصول على المعلومة. ويعد الجهل المركب من الصفات البشرية الشائكة والمعقدة، حيث يستحيل التواصل مع من يتطبعون به، ويغدو كلّ مسعى لذلك عبثًا محضًا، لأنهم يرون اكتمال عقولهم وادعاءهم للفضل، بينما يرى الآخرون منهم ما هو بعيد كل البعد عن ذلك. لذا، يجنح المعري إلى الركون إلى التجاهل كطريقة للتعامل مع هذه النوعية، حتى ليظن بأن العارف والحكيم واقع في شراك الجهل، ويتأسف أيضًا لأن هؤلاء الحكماء قد يلتجئون إلى التجاهل باعتباره آخر العلاج، ليتمكنوا من مسايرة الناس والاحتكاك والتواصل معهم، وهو أمر مؤسف ومجهد للنفس الحكيمة لأنها تدنو إلى ما لا يليق بمقامها من الرفعة. ويصف المتنبي التواصل مع الجهلاء؛ كأحد أنواع البلايا العظيمة، لأنها طريق وعرة كثيرة المنحنيات، ضيقة وسقيمة، ونهايتها مسدودة: وَمِنَ البَلِيَّةِ عَذْلُ مَن لا يَرعَوَي عَن جَهْلِهِ وَخِطَابِ مَن لا يَفْهَم ويطل علينا المتنبي أيضًا بوصف بديع لوضع قد يمر على الكثير منا، وهو جهل الآخر بقدراتنا وقيمتنا، في حين علمنا التام بكونه جاهل بها، وفي نفس الوقت جهله بعلمنا ذاك. وقد أحسن المتنبي في وصف هذا المشهد ببراعة لغوية حين قال ساخراً: وَمِنْ جَاهِلٍ بِي وَهُوَ يَجْهَلُ جَهْلَهُ وَيَجْهَلُ عِلْمِي أَنَّهُ بِي جَاهِلُ والمعنى المقصود: هناك من يجهلني دون أن يدرك جهله بي، وأنا أعلم جهله ولا يدري أني أعلمه. وعلى أية حال، العالم بقيمة نفسه لا يضره جهل الآخر بهمهما بلغ ذلك الجهل من مبلغ. ويشير المتنبي في تكملة الأبيات إلى أن البلسم هو في إفْساح الطريق لذلك الجاهل وعدم الاكتراث له، لأنه سيعاقب نفسه بما يصنع، سواء طال به الزمن أو قصر: وَجَاهِلٌ مَدَّهُ فِي جَهْلِهِ ضَحْكِي حَتَّى أَتَتْهُ يَدُ فِرَاسَةٍ وَفَمُ الشَّرْحِ حيث يتركه حتى يبلغ جهله مبلغه، وعندما تدركه عواقب أفعاله ويفهم الحقيقة، يكون الأوان قد فات. لحظة ختام: الحديث عن الجهل والجهلاء قد يطول كثيرًا، ولكن الإعراض عنهم دستور رفيع. وقد أشارت لذلك أخلاقيات القرآن:" (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ). صورة متخيلة لأبي العلاء المعري