ينظر المتنبي من خلال فكرةٍ تناقضيةٍ إلى أنَّ النقص قد يكون وجهاً من أوجه الكمال، وذلك عندما نفث الوشاةُ همزاتهم، ولمزاتهم الباطلة عنه، لتشويه صورته أمام سيفِ الدولة. ولعل تلك الأقاويل قد أصابت علاقتهما بالصدع، فاستدرك المتنبي بقوله في أحد أبياته: لعلَّ عَتْبَكَ محمودٌ عواقِبُهُ فلَرُبَّما صَحَّتِ الأبدانُ بالعِلَلِ أي أنَّ الشكَّ الذي حصل بيننا لعلَّه قد يُقوِّي علاقتنا كنتيجةٍ عكسية، كما يتقوَّى البدنُ عند شفائه من مرضٍ ما، فيصحُّ ويصبح أكثر مناعةً من ذي قبل. وقد أشار القرآن الكريم قبل المتنبي إلى المعنى ذاته في حادثة غزوة أُحُد، عندما خُولفت أوامر الرسول (ص)، ممّا أدّى إلى هزيمة الجيش، فكان ذلك هو الغمَّ الأول. ثمّ أُذيع خبر وفاة الرسول (ص) فكان هذا هو الغمَّ الثاني الذي أنسى الجميع طعمَ ومرارةَ الهزيمة، حتى تبيَّن أنَّه عليه الصلاة والسلام حيٌّ يُرزق، فكان هذا الخبر وحده جلاءً لأحزان الهزيمة. قال تعالى: (فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ) فقد يكون الغمُّ مثوبةً عندما يؤدّي إلى نسيان الهموم الأُخرى وصرف فكر الإنسان عمّا لا يطيق حملَه فيسلى، كما يكون المرضُ مثوبةً عندما يُصيب الجسمَ فيقوى ويشفى. أما عن فكرة الاعتدال بين مفهومي النقص والكمال، فإنَّ لأبي العلاء المعري رأيًا وجيهًا في ذلك، إذ يقول: فَإِنْ كُنْتَ تَبْغِي الْعَيْشَ فَابْغِ تَوَسُّطًا فَعِنْدَ التَّنَاهِي يَقْصُرُ الْمُتَطَاوِلُ تَوَقَّى الْبُدُورُ النَّقْصَ وَهْيَ أَهِلَّةٌ وَيُدْرِكُهَا النُّقْصَانُ وَهْيَ كَوَامِلُ أي إنَّ أيَّ أمرٍ إذا بلغ ذروتَه وكمالَه، فإنَّ مصيرَه النقصان، ف"عند التناهي يقصر المتطاول"، وكأنَّه يشير إلى المنحنى الهرمي الذي يبدأ صعودًا نحو القمة، ثم لا يكون بعده إلا الانحدار إلى الأسفل. أو دورة الأهلة حيث تبدأ ناقصة هزيلة، وتتكامل مع الزمن، فإذا صارت بدوراً، حانت لحظة نقصانها. وليس أدلَّ على ذلك من عمر الإنسان: ضعفٌ، ثم من بعد ضعفٍ قوّة، ثم من بعد قوّةٍ ضعفٌ وشيبة. أو كما عبّر الأولون: ما طار طيرٌ وارتفع، إلّا كما طار وقع. ونعود إلى المتنبي في طرحٍ جديدٍ آخر، حيث يقول: ولم أرَ في عيوبِ الناسِ شيئًا كنقصِ القادرينَ على التَّمامِ هنا يتناول المتنبي مفهومي الكمال والنقصان بتحسُّرٍ عميقٍ على كلِّ ذي مقدرة، وكلِّ من تهيَّأت له الظروف، وهبَّت الرياح باتجاه أشرعته، ثم توانى عن إكمال مهمّةٍ ما قد شرع فيها. ويعُدّ ذلك من أعظم المعائب التي قد يُوصَف بها المرء. إنَّه تصويرٌ بديع لتحفيز الهمم الزاحفة نحو الكمال البشري، فالحياة بحاجةٍ إلى جذوةِ نارِ الدأب وشرارة الهمة الوثابة، وإلى الابتعاد عن التهاون والانحدار إلى النقصان ما دام الكمال يلوح في الأفق. ويختم الحكماء هذا المعنى بقولين سديدين: «لا تطلب من دنياك الكَمالِيَّةَ المُطْلَقَة، بل مُطْلَقَ الكَمالِيَّة» وهي قاعدةٌ ذهبيةٌ تُرسّخ مبدأ التوازن والاعتدال، فاللبيب لا يطلب في أموره (عملِه، وبيته، وعلاقاته) الكمالَ المطلق، فذلك لله الكامل وحده، بل يطلب مطلقَ الكمالية؛ أي الحدَّ الأعلى من الكمال أو بعضَه، فالدنيا جُبلت على النقص، وكلُ ما فيها تعتريه أوجه قصور ما. ويقول الفيلسوف أبو حامد الغزالي: «إن نقص الكون هو عين كماله، مثل اعوجاج القوس هو عين صلاحيته، ولو أنه استقام ما رمى».