لم تعد أوكرانيا بعد 24 فبراير كما كانت قبل هذا التاريخ، تغيرت الجغرافيا مع تغير رؤية البلاد والمجتمع للعالم المحيط بقريبه وبعيده. بالمقابل غرقت روسيا في المستنقع الأوكراني تقدمت حيناً وتراجعت أحياناً في الميدان، لكنها لم تتخل عن أي من أهدافها الأساسية المعلنة وواجهت «الحرب العالمية» الجديدة من دون أن تشهد هزات كبرى على الصعيد الداخلي. ويبدو أن المجتمع الروسي بعد مرور عام على الحرب قلقاً بعض الشيء، لكنه متماسك إلى درجة كبيرة. ولم ينجح الكرملين في تحقيق انتصار كبير وصعب، لكنه نجح في المقابل في جعل هزيمة روسيا مستحيلة. لأنها ذكّرت العالم على الدوام خلال الأشهر المنصرمة بأن «الدول النووية العظمى لا يمكن أن تهزم عندما تواجه تحديات مصيرية». عام مر على الحرب التي شغلت العالم، وأقلقت بلداناً وقارات رأت شبح المجاعة يحوم حولها. أيقظت حرب أوكرانيا سباق التسلح، ودفعت إلى تجهيز الحقائب النووية في أكثر من بلد، بعدما عاد شبح المواجهة القاتلة إلى الواجهة. وبرز التغيير الواسع في استراتيجية الحرب الروسية مع تعيين الجنرال سيرغي سوروفيكين قائداً للمجموعات الروسية المقاتلة في أكتوبر الماضي من خلال إطلاق عمليات استهداف البنى التحتية الأوكرانية على نحو واسع، ونجحت موسكو في تدمير غالبية محطات الطاقة والكهرباء وشبكات الاتصال وإمدادات المياه والطرق الرئيسة لسكك الحديد. وأيضاً من خلال تركيز الجهد الحربي على توسيع مساحة السيطرة في مناطق دونباس ومحيطها، وهو الهدف الأساسي المعلن للعمليات العسكرية. وفي ظل عدم وجود إحصائيات دقيقة عن خسائر طرفي الحرب، بالمقابل كانت التصريحات الروسية والأوكرانية على حد سواء، تضخّم خسائر العدو وتبالغ في الأرقام التي تعلنها جهات رسمية أو شبه رسمية. وقدرت كييف خسائرها البشرية في نهاية العام بنحو 13000 جندي أوكراني قتلوا منذ بدء الحرب. لكن التقديرات الغربية تشير إلى أن خسائر كييف بلغت أكثر من 100 ألف جندي. بالمقابل، تكتمت موسكو بقوة على حجم خسائرها، وأعلنت الخريف الماضي، أنها فقدت أكثر بقليل من 5000 عسكري منذ بدء الحرب، ونفت روسيا باستمرار صحة معطيات غربية عن تكبدها نحو 134 ألف قتيل في المعارك. فيما نقلت وسائل إعلام عن مسؤولين أميركيين تقديرهم للخسائر الروسية بأنها «تقترب من 200 ألف مقاتل بين قتيل وجريح ومفقود». ويبدو من الصعب تقدير حجم الخسائر الحقيقية لموسكو، خصوصاً مع وجود عدة «جيوش» تقاتل إلى جانب الجيش النظامي، ويتولى بعضها الدور الأساسي في القتال على خطوط التماس، وأبرزها بلا شك مجموعة «فاغنر» التي تشير تقديرات غربية إلى أنها جندت أكثر من 40 ألف مقاتل، غالبيتهم من المدنيين في السجون الروسية. الذين حصلوا على وعود بإصدار عفو عام عنهم بعد قضاء 6 أشهر على الأقل على جبهات القتال. هؤلاء لم تعلن موسكو ولا مسؤولو مجموعة «فاغنر» حجم الخسائر بينهم. كذلك لا يتم الإعلان عن الخسائر في صفوف القوات الشيشانية التي تقاتل أيضاً في دونباس، ويصل تعدادها وفقاً لتقديرات مختلفة إلى أكثر من 20 ألف مقاتل. ومنذ 24 فبراير الماضي، حينما أمر بوتين جيشه بعبور الحدود نحو أوكرانيا، سقط ما يزيد على 200 ألف قتيل عسكري من الجانبين، وعشرات آلاف المدنيين الأوكرانيين، بالإضافة إلى أعداد كبيرة من الجرحى ومليارات الدولارات من الخسائر الاقتصادية. مع هذا، وبسبب طبيعة الجانبين المتحاربين، أصبح الحصول على إحصاء دقيق للخسائر أصعب كلما طالت الحرب. وفقا للقيادة العامة الأوكرانية فإن إجمالي الخسائر القتالية للقوات الروسية بين 24 فبراير 2022 و9 يناير 2023 بلغت ما يقرب من 120 ألفا من الأفراد العسكريين، ويقول موقع أوكراني إن 144 ألف جندي روسي قتل حتى الآن في المعارك، بينما جرح نحو 433 ألفا، وأسر ألف، كما يقول الموقع المقرب من القوات الخاصة الأوكرانية. لكن المصادر الرسمية الروسية حتى ديسمبر الماضي اعترفت بمقتل 5973 جنديا فقط. وقدم المسؤولون الأميركيون والأوروبيون مؤخرا تقييمات للخسائر البشرية على الجانبين تتراوح بين 180 ألف إلى 200 ألف قتيل وجريح وروسي، و100 ألف قتيل وجريح أوكراني كما يقول موقع Grid. وقدر أحدث تقرير للامم المتحدة أن الذين قتلوا في أوكرانيا بأكثر من 7000 شخص، لكنها تشير باستمرار إلى أن هذا الرقم أقل من الواقع، وكذلك تقديرها لإجمالي الخسائر – مزيج من الوفيات والإصابات – التي قالت إنها أكثر من 18000. وقدر ميخايلو بودولياك، مستشار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في أوائل ديسمبر أن ما يصل إلى 13000 جندي أوكراني قتلوا منذ بدء الحرب. وفي أوائل نوفمبر، قدر أيضا رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، الجنرال مارك ميلي، أن كلا الجانبين شهدا مقتل أو إصابة حوالي 100 ألف جندي. ويبلغ إجمالي النازحين الأوكرانيين، حوالي 14 مليون منهم ثمانية ملايين في البلدان الأوروبية، وفقا للموقع، ونحو ستة ملايين آخرين نازحون داخلين في بلادهم. خسائر المعدات وفقا للقيادة العامة الأوكرانية فإن إجمالي الخسائر القتالية للقوات الروسية بين 24 فبراير 2022 و9 يناير 2023 بلغت 3080 دبابة وأكثر من 6 آلاف مركبة قتالية مصفحة، و2000 نظام مدفعية وأكثرمن 400 نظام صاروخي (راجمة) وأكثر من 200 نظام دفاع جوي و 285 طائرة ثابتة الجناحين و275 مروحية وأكثر من 1800 طائرة بدون طيار و16 سفينة أو قارب و أكثر من 4800 مركبة وناقلة. ولا توجد أرقام روسية عن خسائرها من المعدات. ويقدر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية وهو مركز أبحاث مقره في لندن، أن تكون روسيا خسرت 2000 دبابة في أوكرانيا، وهذا هو نصف عدد الدبابات العاملة في الجيش الروسي، وفقا لوول ستريتجورنل. وتشير التقديرات إلى أن روسيا ربما فقدت 50٪ من دبابات T-72B3 و T-72B3M وأن مخزونها من دبابات T-80BV / U قد استنفد بمقدار الثلثين. من جهة أخرى تشير تقديرات المعهد ذاته خسائر كييف ما بين 450 و700 دبابة أوكرانية، ما يبقي لديها نحو 950 عاملة، وفقا للتقرير. وفقا لمعهد كارينجي فقد انخفض الناتج المحلي الإجمالي لأوكرانيا بمقدار الثلث في عام 2022. ومن المتوقع أن تتجاوز تكاليف إعادة الإعمار 1 تريليون دولار. ويقدر المعهد أن يحقق اقتصاد روسيا نموا سلبيا خلال السنوات الثلاث إلى الخمس القادمة على الأقل بسبب العقوبات. ويقول مركز ويلسون للدراسات إن نفقات روسيا على الحرب تتزايد بسرعة. وكان من المتوقع أن يصل الإنفاق العسكري في عام 2022 إلى 3.5 تريليونات روبل لكن الإنفاق الحقيقي على الحرب قد تجاوز هذا المستوى بحلول سبتمبر، وفقا للموقع. وهذا الرقم ليس سوى جزء من الإنفاق العسكري، ويقول إنه في عام 2022، قد تتجاوز النفقات العسكرية 5٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وهو الحد الأقصى منذ انهيار الاتحاد السوفيتي.