في الوقت الذي بدأت فيه دول العالم التحضير لمؤتمر القمة العالمي للغذاء الذي سيعقد في روما في 13 تشرين الثاني نوفمبر المقبل، تشهد الاسواق العالمية ازمات متلاحقة في الحبوب كنتيجة طبيعية للعجز الغذائي وارتفاع الاسعار. واللافت ان ذلك يحصل في سنة 1996 التي أعلنتها الاممالمتحدة "السنة العالمية لاجتثات الفقر" بعدما بلغ عدد الفقراء في العالم 5،1 مليار شخص، وهم يزدادون بمعدل 25 مليون فقير سنوياً. وشهدت السنوات الاخيرة تحولاً في السوق الدولية للحبوب بشكل مفاجىء من الوفرة الى الندرة، وكذلك في المخزون من اعلى مستوى في ظل اسعار منخفضة الى أدنى مستوى يسجله وبأسعار باهظة. وتشير الاحصاءات الى أن المخزون العالمي من القمح انخفض بنسبة 28 في المئة من 144 مليون طن عام 1992 - 1993 الى 103 ملايين طن عام 1995 - 1996، كما انخفض المخزون العالمي من الحبوب الخشنة بنسبة 37 في المئة من 168 مليون طن الى 116 مليون طن خلال الفترة ذاتها. وتظهر وطأة الازمة في مؤشر انخفاض مخزون الحبوب في البلدان الصناعية بنسبة 50 في المئة في الفترة نفسها، وهي المصدر الرئيسي للامدادات، وذلك من 213 مليون طن الى 107 ملايين طن، الامر الذي يشير الى دور هذه البلدان في توجيه متغيرات السوق. وكان تأثير ذلك على الاسعار ملحوظاً. ففي نهاية كانون الثاني يناير 1996 بلغ سعر تصدير القمح الاميركي 215 دولاراً للطن، وهو اكثر بنسبة 40 في المئة عن العام الماضي، ثم وصل في شهر آذار مارس الماضي الى 220 دولاراً للطن، ومن المرجح ان يشهد العام المقبل تحسناً في المخزون الدولي مما سيساهم في كبح الاسعار، الاّ أنه من غير المنطقي توقع عودة الاسعار الى سابق عهدها. اما الاسباب الرئيسية لهذه التطورات، فتتلخص في الآتي: 1 - الانخفاض الحاد في مشتريات بلدان الاتحاد السوفياتي السابق بسبب التغيرات التي شهدتها منذ اوائل التسعينات وأدت الى تقليص قدراتها الشرائية ما دفع الولاياتالمتحدة والاتحاد الاوروبي الى الاتفاق على اجراءات لخفض انتاج الحبوب من اجل رفع الاسعار، وأهمها تطبيق برنامج عدم زراعة الاراضي الزراعية في مقابل دفع تعويضات مغرية للمزارعين خلال الفترة 1990 - 1994، الامر الذي ادى الى عدم زراعة نسبة 13 في المئة من المناطق المخصصة لزراعة القمح في الدول الرئيسية المصدرة، بما فيها الولاياتالمتحدة والاتحاد الاوروبي وكندا واوستراليا والارجنتين. 2 - سوء الاحوال المناخية في بعض المناطق الرئيسية المنتجة، خصوصاً في الولاياتالمتحدة. 3 - تحول الصين من مصدر رئيسي للحبوب الى مستورد رئيسي لها اعتباراً من عام 1994. 4 - تطبيق اتفاقية الغات منذ نيسان ابريل 1995 وما يترتب عليها من رفع الدعم عن القمح في الولاياتالمتحدة والاتحاد الاوروبي. 5 - فرض الاتحاد الاوروبي ضريبة على صادرات القمح ابتداء من كانون الاول ديسمبر 1995 من اجل الحفاظ على أوضاع العرض والاسعار في السوق الدولية وخفض الاسعار داخل دول الاتحاد. 6 - ارتفاع تكاليف النقل، التي يتوقع ان تضيف الى كلفة الطن الواحد من القمح حوالي 30 دولاراً. وانعكس ذلك على الدول النامية المستوردة للحبوب، وفي طليعتها الدول العربية التي تعاني أصلاً من ندرة العملات الصعبة اللازمة للاستيراد، فضلاً عن التراجع الذي طرأ على برامج المعونات الغذائية. وتشير المعلومات الى أن المعونات الغذائية الدولية من الحبوب انخفضت بنسبة 42 في المئة، من 1،13 مليون طن عام 1991 - 1992 الى 6،7 مليون طن عام 1995 - 1996. واللافت ان سياسة الدعم التي تطبقها الدول الصناعية تكيل بمكيالين، فهي تفرض خفض الدعم عندما تتحمل الدول النامية وزر انعكاساته وفي الوقت نفسه تسخى بتقديم ما يحلو لها من الوان الدعم وأشكاله تحت عناوين مختلفة عندما يتعلق الامر بمصالحها الحيوية ورفاهية شعوبها. ولكن ما هو وضع المنطقة العربية؟ لقد تضاعف انتاج الحبوب في العالم العربي من 4،22 مليون طن عام 1984 الى 7،43 مليون طن عام 1994، كما زاد انتاج القمح بأكثر من 120 في المئة من 8،8 مليون طن الى 9،19 مليون طن للفترة ذاتها، وبالتالي تحسنت نسبة الاكتفاء الذاتي بين الاعوام 1984 و1994 للحبوب من 35،40 في المئة الى 21،59 في المئة، كما تحسنت نسبة القمح من 54،37 في المئة الى 9،58 في المئة، وقد سجلت ابرز التطورات في هذا المجال في كل من مصر والسعودية وسورية. وعلى رغم ذلك بلغ العجز في الميزان التجاري الزراعي للبلدان العربية حوالي 3،19 مليار دولار عام 1993، في مقابل 5،14 مليار دولار عام 1991. وجاءت هذه الزيادة بسبب ارتفاع كلفة الواردات، اكثر منها بسبب زيادة كميتها كنتيجة للارتفاع المتصاعد في اسعار المنتجات المستوردة من السلع الغذائية الرئيسية، فضلاً عن ارتفاع كلفة نقل الواردات، في الوقت الذي سجلت فيه اسعار الصادرات بعض الانخفاض، وبالاخص منها الخضار والفاكهة. كما يتبين ان البلدان العربية ما تزال تعاني من عجز في معظم سلع الأغذية الرئيسية باستثناء الاسماك. اما الواردات من سلع الغذاء الرئيسية لعام 1993، فبلغت 6،14 مليار دولار في مقابل 3 مليارات دولار للصادرات منها، وازدادت كلفة الفجوة الغذائية في سلع الغذاء الرئيسية من 600 مليون دولار في اوائل السبعينات الى حوالي 11 مليار دولار عام 1993، وان تكن سجلت تقلصاً ملموساً عن الارقام المسجلة خلال اواسط الثمانينات. الا ان كل البلدان العربية مرشحة لان تستمر في الاعتماد على المصادر الخارجية، خصوصاً بالنسبة الى القمح والحبوب الخشنة. الميول السياسية وتكمن نقطة الضعف في تركز واردات البلدان العربية من سلع الغذاء الرئيسية في عدد لا يتجاوز اصابع اليد من البلدان الرئيسية المصدرة. ومن الضروري التوجه نحو اعتماد عدد اكبر من المصادر من اجل تجنب الهزات المفاجئة في انتاج الجهات المصدرة وفي ميولها السياسية، اضافة الى الاجراءات التقييدية المبلبلة للاسواق لاسباب غير اقتصادية بحتة. كما يرى الخبراء ضرورة انشاء مجلس عربي لاستيراد السلع الغذائية الرئيسية من اجل تعزيز القدرة الشرائية التفاوضية. وتشير توقعات الاتحاد العربي للصناعات الغذائية الى احتمال ارتفاع العجز الغذائي بحلول عام 2000 الى مبلغ يتراوح بين 120 - 200 مليار دولار، بسبب الانفجار الديموغرافي في البلدان العربية، اذ ينتظر ان يرتفع عدد سكان العرب الى 228 مليوناً، وكذلك بسبب ارتفاع مستوى التغذية الناتجة عن تغير نمط الاستهلاك وتنوع اصناف الغذاء الذي يرافق المستوى التعليمي بشكل عام. ومن الطبيعي ان يؤدي ارتفاع استهلاك العرب من المنتجات الغذائية الى جعل العالم العربي مركزاً تنافسياً بين البلدان المنتجة، وتشهد البلدان العربية منذ سنوات عدة تسابقاً بين اهم المصدرين على اكتساب اسواقها، وخصوصاً الولاياتالمتحدة وبلدان السوق الاوروبية المشتركة، حيث وجدت الاخيرة في ازدياد العجز الغذائي واعتماد البلدان العربية على الاستيراد، فرصة مناسبة لتسويق فوائض الانتاج لديها. وبعدما كانت دول السوق الاوروبية المصدّر الاول للبلدان العربية بنسبة 34 في المئة من اجمال المشتريات العربية من المواد الغذائية، نجحت الولاياتالمتحدة في منافستها بفضل مبيعاتها من القمح ومشتقاته الى مصر باسعار مدعومة. واحتجت المجموعة الاوروبية على هذه الممارسات واعتبرتها مناقضة لاتفاقية "الغات". ويستدل من كل ذلك انه يمكن الاستفادة من تنافس الدول المنتجة على الاسواق العربية واعتماد خطة عربية موحدة لتوسيع الهوة بين المتنافسين والتعامل مع الدول الاكثر تقرباً التي تنسجم مصالحها مع المصالح العربية.