جهّز المايسترو إحسان المنذر نفسه للموسيقى تأليفاً وعزفاً، هكذا يقول عن بدايات حياته المهنية. ذهب الى إيطاليا حيث تلقى علومه واكتسب خبرة في أداء بعض الغناء الغربي غير الاحترافي تماماً. وعندما أرسل المخرج سيمون أسمر بعد ذلك بسنوات في طلبه لقيادة أوركسترا برنامج"استوديو الفن 1980"الذي كان يبث من تلفزيون لبنان، كان يعزف ويغني في أحد فنادق بيروت الكبرى فلفت انتباه الفنان روميو لحود الذي لفت بدوره انتباه أسمر الى موهبته الموسيقية، فاعتمده المخرج الناجح قائداً لفرقة برنامجه الموسيقية بعد استغناء أسمر عن خدمات المايسترو رفيق حبيقة الذي رافق هواة البرنامج في إدارة الفرقة الموسيقية خلال"استوديو الفن"1973 و1974. كان المنذر يعزف على البيانو، وكانت آلة الأورغ في عزّ اندفاع الفرق الموسيقية العربية الى اعتمادها نظراً الى كونها جديدة ب"أصواتها"الكهربائية التي كانت إضافة الى التخت الشرقي، فارتأى سيمون أسمر تغييراً معيناً في شكل فرقة برنامجه ومضمونها، فكان أورغ إحسان المنذر هو الوسيلة، فضلاً عن اتجاه أسمر الى تزكية إعطاء طابع الشباب لبرنامج"استوديو الفن"والمنذر كان في سن الشباب يومها، ما أقام نوعاً من التجانس بين أعمار هواة الغناء في البرنامج وعمر قائد الفرقة الموسيقية التي تصاحبهم. ومن الراحل رفيق حبيقة صاحب الشَّيْبة من شَيْب المختمرة والخبرة العميقة الى إحسان المنذر صاحب الطلة الشابة والعلم الموسيقي، حاول المخرج سيمون أسمر أن يعبر بين جيلين... بحكم العمل مع الهواة، وتقديم المشورة الموسيقية والفنية لهم، وبعد عدد من الألحان الناجحة، يضاف الى ذلك بروز"استوديو الفن"كأكثر برنامج تلفزيوني محبَّب يتابعه الجمهور اللبناني قبل الفضائيات في الثمانينات من القرن الماضي، بات إحسان المنذر اليد الطيبة الممدودة الى معظم نجوم الشباب، وعلى رأسهم المغنية ماجدة الرومي والمغني راغب علامة اللذان كانت بداية كل منهما مقترنة باسم إحسان المنذر إن لجهة قيادة الأوركسترا أو لجهة الألحان والتوزيع الموسيقي الجديد الذي شكل المنذر أحد أبرز رجالاته، خصوصاً أن التوزيع الموسيقي كان بدأ يدخل مناخاً من الروتين والتكرار. جاء المنذر نسمة طرية أنعشت مناخ الألحان والتوزيع الموسيقي في لبنان، وفي غضون سنوات قليلة كان أوّل في نسبة تقديم ألحان للمغنين والمغنيات في لبنان، ولم يخلُ من أنغامه أي ألبوم غنائي أو أسطوانة لأي نجم... وتعددت اهتمامات المنذر، فافتتح استوديو لتسجيل الموسيقى والأغاني. لكن من دون أي مقدمات أو مؤشرات واضحة أصيب نشاط المنذر في التلحين وفي الاستوديو بجمود نسبي أولاً، ثم بجمود أكبر، وحصلت خلافات قوية بينه وبين ماجدة الرومي وراغب علامة ثم بينه وبين بعض الآخرين من الفنانين، في وقت لم يعد النجوم الذين يتعاونون وإياه من"الوزن الثقيل"فوجد نفسه في وضعية صعبة: خبرة ونجاح كبيران ثم تراجع في الإقبال على نتاجه، ما اضطره الى اللجوء الى برامج التلفزيون فأعد وقدّم برامج فنية موسيقية غنائية متميزة في"أوربت"ثم في"أم بي سي"ثم... أيضاً جاء الجمود النسبي فالجمود الأكبر... إحسان المنذر كمؤلف موسيقي ثبّت اسمه في عدد من الأعمال التي حققت حضوراً. كملحن كان مبدعاً كبيراً. كقائد أوركسترا كان مهنياً بارعاً، أين المشكلة إذاً؟ هل في ألحانه التي غرقت بفعل التجربة في نمطية ما؟ هل في التوزيع الموسيقي الذي ما عاد يستنبط فيه صيغاً مختلفة؟ هل في استوديو التسجيل الذي سرق وقته ونصّب له خصوماً؟ هل في أسلوبه الذي يمتدحه كثر وينتقده كثر؟ أسئلة لا يستطيع أحد أن يجيب عنها بدقة أكثر من إحسان المنذر نفسه، وهو المثقف المتمرِّس... ... أم أن المسألة تكمن في سرّ"الحقيقة"الفنية الغريبة التي تقول إن عمر الملحن في العالم العربي كنشاط مكثف وإنتاج ألحان لا يتجاوز السنوات العشر، وبعدها ينتقل"النشاط"الى ملحن آخر. والبراهين لا تُحصى من صلاح الشرنوبي الى إيلي شويري الى شاكر الموجي الى نور الملاّح الى... الى... الى آخره...