في زيارة لمتحف كمبل للفنون في فورت وورث- أميركا، وقفتُ أمام لوحة معلّقة على جدار المتحف، بجانبها بطاقة تعريفية «الصفصاف الباكي - 1921-1922 - كلود مونيه»، وبجانبي زميلتي المرشدة، وهي متخصصة في تاريخ الفنون الحديثة، تشرح اللوحة: «لوحة الصفصاف الباكي لكلود مونيه هي عمل فني يعكس تجربته الشخصية في سنواته الأخيرة، حيث رسمها بين 1921-1922 وهو يعاني من مشكلات في الرؤية، مما أدى إلى استخدامه لضربات فرشاة حادة وألوان داكنة. تُعد جزءاً من سلسلة أعماله في حديقته في جيفرني التي ركزت على زنابق الماء وأشجار الصفصاف، وتعبر عن علاقته العميقة والطبيعية مع الفن». لفت انتباهي طريقتها في سرد القصة عن اللوحة، فحاولتُ أن أرويها كما رأيتها كزائرة: «هذه اللوحة تذكرني بطفولتي حيث كنا نذهب كمجموعة من الأهل والأصدقاء في وطني لزيارة المزرعة، وكان فيها أشجار صفصاف كبيرة. ذكرياتي فيها سعيدة ومبهجة، وأستطيع أن أستشعر الأجواء الباردة تماماً كما كانت في طفولتي لمجرد رؤيتي للوحة، فلا أعلم لِمَ أسماها مونيه باكية!»، حين قدّمتُ القصة من هذا المنظور، جاء الاعتراض سريعاً من زميلتي: «هذا السرد يغيّر الأحداث، واللوحة لها تاريخ واضح لا يحتمل التأويل». عندها لم يكن الاعتراض عن صحة المعلومة بقدر ما كان عن حدود الحكاية التي أستطيع أن أشاركها عن اللوحة. ماذا يحدث للعمل الفني بعد أن يُعلّق، هل يبقى أسيراً لسياقه الأول؟ أم يدخل في سياقات جديدة تشكّلها وجهات نظر متعددة، وتجارب متباينة، وأسئلة لم يتوقعها صانع اللوحة؟ هل عمد المتحف على توفير صوت أحادي عن لوحة تاريخية؟ أليس لي الحق أيضاً في مشاركة ما أفكر به عن اللوحة؟ من هنا بدأ النقاش في دور المتلقي، وفي حقه في أن يرى العمل خارج القالب التعريفي المقصود من المتحف، كتجربة ثقافية جديدة تُنتَج داخل المتحف كما تُنتَج في الكتب دون إقصاء معلوماتها التاريخية. بعد تلك الملاحظة، اتضح لي أن الخلاف لا يدور حول معلومة تاريخية أو اسم فنان، بل حول سلطة السرد داخل المتحف. في قاعة العرض، توجد بطاقة تعريفية للوحة تمثل الإطار المعرفي الذي يضبط السياق ويؤمّن الحد الأدنى من فهم العمل الفني. غير أن تجربة الزائر المتحفية لا تتوقف عند تلك البطاقة، لأن الزائر لا يدخل المتحف فارغ الذهن خالياً من الخبرات؛ فهو يحمل معه ذكرياته، وتكوينه الثقافي، وأسئلته الخاصة. حين يتوقف أمام لوحة، تبدأ علاقته بها في التكوّن، وقراءته الفنية للوحة تتشكل بصورة مختلفة لا تشبه طريقة المؤرخ وقراءته للمصدر، هذه المساحة هي ما يحاول التعليم المتحفي تفعيله، حيث يصبح العمل الفني نقطة انطلاق للتفكير لا نهايته. الاعتراض الذي يواجه هذا النوع من السرد من قبل المتخصصين في التاريخ الفني يكشف توتراً قائماً داخل المؤسسات الثقافية، تخصص تاريخ الفن يحرص على ضبط المعنى وحمايته من التحريف، بينما يركز التعليم المتحفي على تعزيز دائرة التلقي، منذ لحظة عرض العمل الفني، تتحول القطعة المعروضة من سلطة المُنتج أي «الفنان» والعارض أي «المتحف» لتصبح جزءاً من تجربة كل مُتلقي. تبقى الحقائق والسياق حاضرَين في اللوحة المعلقة وبطاقة التعريف كدليل خفيف يشير للسياق والحقائق المعرفية عن العمل، لكن المعنى يصبح متاحاً بكل حريّة لكل من يشاهدها. يُسمح للعين أن تتأمل وتلاحظ، وللذاكرة أن تعمل، ولغة المشاعر أن تتحرك وتثير الفضول أو تجلب مساحة لتفسير ما يُرى، وللثقافة أن تُولد من جديد في كل لحظة مواجهة. اقتراح قصة من منظور المتلقي لا يعني إعادة كتابة التاريخ أو إقصائه، الهدف تعليمي بحت، الاعتراف بأن المعنى لا يتشكّل في زمن واحد ولا داخل خطاب واحد يجعل المتحف مساحة تفاوض بين ما هو موثّق علمياً وتاريخياً، وما هو مُختبر في تجارب الزوار. اللوحة لا تتغير مادياً، غير أن أثرها يتبدل بالنسبة للزائر مع كل محاولة قراءة، هذا التحول هو ما يجعل العرض المتحفي تجربة ثقافية ممتدة. وأكرر هنا سؤالي: لمن يُعرض الفن؟ إذا كان الجمهور مدعواً لزيارة المتحف، فهل يُطلب منه الاكتفاء بالمشاهدة الصامتة أم أن وجوده جزء من اكتمال التجربة؟ التعليم المتحفي ينحاز للإجابة الثانية، ويرى في التفسير الشخصي ممارسة ثقافية مشروعة، ما دامت لا تدّعي الحلول مكان المعرفة المتخصصة، بل تتحاور معها وتثريها وتجعل المتلقي مشاركاً ومشمولاً ومرحَّباً به.