في صمت الرمال، وبين تضاريس الصخر، وجنون التنوع تتحدث المملكة العربية السعودية بلغة التاريخ، وموطن الحضارات المتعاقبة، وشاهد حي على ولادة الإنسان، وتطور العمران، وتلاقي الثقافات. تسعى المملكة، من خلال رؤية 2030، إلى إعادة تعريف موقعها الحضاري عالميًا كأرض زاخرة بالإرث الإنساني، والمادي والطبيعي، وقد باشرت الجهات المختصة، كمنظومة الثقافة، في خطوات نوعية للحفاظ على الآثار، وتسجيلها في قائمة التراث العالمي (اليونسكو)، لتصبح هذه المواقع رواة لقصة وطن لم ينقطع عن التاريخ. الطائف.. انطلاقة التعليم المنظم في طائف الورد وغيمة الود وجبال سقاها شموخ يعتد، هناك في محافظة الطائف حيث اعتادت الأفكار أن تُزهر مبكرًا، بزغت مدرسة دار التوحيد كأول مدرسة نظامية متخصصة في تدريس العلوم الشرعية وعلوم العربية في المملكة العربية السعودية، فتعدت تلك الخطوة أن تكون مجرد تدشين لبناء تعليمي، إلى أبعد من ذلك لتكون ولادة لفكر جديد يعيد ترتيب العلاقة بين الطالب والمعرفة، ويجعل من الطائف منارة تعليمية تُضيء للمملكة طريق المستقبل، عبر تعليم يُخاطب العقل ويحفظ الأصالة ويواكب التحول. تم اختيار الطائف لتكون موقعًا لهذه المبادرة النوعية نظرًا لخصوصية موقعها الجغرافي، واعتدال مناخها، وقربها من الحجاز ونجد، ما جعلها بيئة مثالية لتجمّع العلماء والطلاب، وفي تلك اللحظة التاريخية تحديداً كانت المملكة بأكملها تمهّد لمسار التعليم، وتبحث عن صيغة تجمع بين المرجعية التعليمية والانضباط المؤسسي والخروج من دائرة الكتاتيب إلى دائرة التعليم المؤسسي وفق ممارسة تجسد الطموح وتحقق الأثر وتصنع المستقبل الذي رسمه المؤسس وجسده الأبناء. التأسيس الملكي والرؤية المبكرة أمر الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيّب الله ثراه- بتأسيس دار التوحيد عام 1364ه، فجاءت هذه المبادرة في وقت كانت الحاجة فيه ماسة إلى إعداد الكفاءات العلمية ضمن إطار منظم وممنهج، يضمن اتساق التعليم مع توجهات الدولة الناشئة وتصحيح مسار الجزيرة العربية بأكملها بعد أن طالها الشتات والفرقة والجهل. أسست المدرسة وفق رؤية واعية تهدف إلى بناء نواة قوية من العلماء والكوادر القادرة على تولي مناصب القضاء والإفتاء والتعليم، وقد وُضعت لها مناهج علمية تجمع بين المتون التقليدية ومهارات التفكير والبحث، فكانت تُمثّل آنذاك نقلة نوعية في مفهوم التعليم، وبتلك الرؤية المباركة للملك المؤسس طيب الله ثراه تم إيقاف نزيف الجهل إلى الأبد في قلب الجزيرة العربية وخرج التعليم النظامي حاملاً لواء المعرفة ومؤسساً لحقبة تعليمية جديرة بالبقاء والأثر. بوابة القادة أثمرت هذه المدرسة تخريج دفعات من الشخصيات البارزة الذين تقلّدوا مناصب رفيعة في الدولة، خاصة في القضاء والإفتاء والتعليم. فتمثلوا أبناءً لدار التوحيد وفاءً وعرفاناً وامتناناً لهذه المؤسسة ترك خريجو المدرسة أثرًا عميقًا في صياغة الهوية الثقافية والدينية للمملكة، وأسهموا في تعزيز الخطاب الوسطي المتزن، ونشر الوعي القانوني والشرعي. وقد بقي حضورهم في الذاكرة الوطنية حيًّا، بوصفهم من أوائل من حملوا شعلة التعليم الحديث في العلوم الشرعية والعربية. منبر العلماء ورواد الفكر من أبرز ما ميّز دار التوحيد أنها اجتذبت منذ بداياتها صفوة العلماء ورواد المعرفة والقادة فتوافد عليها قامات علمية مميزة لتكون دار التوحيد خطوة في رحلتهم نحو مناصب عُليا في الدولة وقيادة المشهد الثقافي والأدبي مثل الشيخ حسن بن عبدالله آل الشيخ، ورئيس مجلس الشورى الشيخ محمد بن جبير والشيخ عبدالله بن سليمان الخليفي، والأديب عبدالله بن خميس والشيخ عبدالعزيز المسند، والشيخ عبدالعزيز بن عبدالمحسن آل الشيخ، والشيخ محمد بن عثيمين، والشيخ عبدالرحمن بن عبدالله المنيع والشيخ محمد بن إبراهيم الجبير والدكتور راشد بن راجح الشريف، والدكتور عبدلله فراج الشريف، والشيخ صالح بن عبدالله المطلق، والدكتور فهد بن ساعد الحارثي، والفريق زميم بن جويبر السواط، والعميد محمد بن غازي الجودي، والشيخ عبدالعزيز المسند وغيرهم من العلماء والأدباء والقادة الذين ساهموا في صياغة الفكر الإسلامي والأدب السعودي في المملكة وساهموا في النهضة الشاملة لهذا الوطن. نعم كانت دار التوحيد يغلب عليها البساطة، لكن عقول من فيها كانت تفيض بالحكمة، فأُعطي الطلاب فرصة حقيقية لتطوير أدواتهم العقلية، وتدريب ألسنتهم على الخطابة، وأذهانهم على المناظرة، وأرواحهم على الانضباط، فطالب دار التوحيد يعيش ضمن بيئة معرفية مكثفة، تُربّي فيه روح الانتماء للعلم، وتمنحه الثقة ليكون أحد أعمدة الدولة لاحقًا. استعادة الذاكرة الوطنية. في عام 1441ه، خضعت المدرسة لعملية ترميم شاملة ضمن برنامج العناية بالتراث الثقافي الوطني، من أجل إعادة توظيف المبنى كمركز ثقافي يعكس بدايات التعليم النظامي في المملكة. وأُعيد تأهيل المبنى بوسائل حديثة تحافظ على طابعه الأصيل، وتُضيف إليه وظيفة تعليمية وثقافية جديدة، ليصبح مبنى دار التوحيد بمثابة متحف حي، تعرض جدرانه الحكاية الكاملة لبزوغ التعليم المنظم في السعودية من خلال الوثائق والصور والكتب والمخطوطات التي تزين القاعات وتحول الماضي إلى ذاكرة بصرية وتربوية، تروي للزائرين كيف بدأ التعليم، وكيف صعدت المملكة من غرفة صفية صغيرة إلى منظومة تعليمية ضخمة تشمل كل التخصصات والمراحل. معلم حضاري يشكّل مبنى دار التوحيد اليوم أحد أبرز المواقع التراثية المعتمدة في سجل هيئة التراث، وتحول إلى نقطة جذب معرفي وسياحي، تستضيف الزوار من مختلف الفئات. ولم يعد الموقع مجرد شاهد على الماضي، بل أصبح منصّة لمعارض فكرية ومناسبات ثقافية وندوات تعليمية، تربط الأجيال الجديدة بجذورها الأولى، ومع رؤية السعودية 2030، اكتسبت مثل هذه المعالم بعدًا استراتيجيًا، حيث يتقاطع التراث الثقافي مع أهداف التنمية المستدامة، ويُعاد تعريف التعليم بوصفه مشروعًا إنسانيًا ممتدًا. لتُسهم دار التوحيد من خلال هذا الموقع المتجدد من خلال سردٍ دقيق وحيوي لتجربة تعليمية كانت، وما زالت، مصدر إلهام. ختاماً.. مدرسة دار التوحيد شاهد من شواهد البدايات الصعبة والخطوات الملهمة والرؤية الطموحة والتقدم الذي طالما كانت المملكة العربية السعودية حقيقة به ساعية له متوجة به ومازالت المملكة بكل مناطقها زاخرة بالشواهد سخية بالتراث عامرة بالأمجاد. اعداد : رياض عبدالله الحريري