يروى أن فناناً اسمه أبيليس من اليونان، عرض اللوحات التي رسمها أمام الجمهور، وصادف في ذلك اليوم أن صانع أحذية (إسكافي) كان من الحاضرين، فأشار إلى خطأ في اللوحة يتعلق بالحذاء المرسوم فيها، وفعلاً أقر الفنان بالخطأ وعبر عن شكره للإسكافي الخبير بصناعة الأحذية، ولكن يبدو أن الإسكافي أعجب بنفسه واستحسن الوضع فتحمس وراح يعلق ويطلق الملاحظات والانتقادات على اللوحات الأخرى، غضب الفنان وصاح في صانع الأحذية قائلاً: «أيها الإسكافي، لا تتجاوز حدود النعل!». في بيئات العمل المختلفة نماذج متنوعة من أشقاء وشقيقات الإسكافي في سلوكياتهم وطريقة أفكارهم، حيث لا يتورعون عن التعليق والإفتاء في كل المجالات وشتى التخصصات حتى لو كانت في مجال ليس من تخصصهم أو ليس لديهم فيه خبرات كافية، ومن أصعب المواقف عندما تأتي الملامة والانتقاد من شخص لا يفهم أو لا يريد أن يفهم أو يتعلم. ومن علامات إخوة الإسكافي في بيئات العمل تضخيم المشكلات وتهويلها مهما صغرت، والتغافل عن أي نجاحات وإنجازات مهما عظمت، وكما أن الإسكافي كان محقاً حيال الخطأ الصغير في الحذاء، فذلك لا يعني أن جميع اللوحات سيئة أو أن مستواها ضعيف، ومهمة المدير والمسؤول في هذه المواقف هي أن يتبين ويتأكد ولا يتبني صورة كاملة مغلوطة بناء على معلومة واحدة صحيحة ومعلومات أخرى مغالطة. وكثيراً ما يكون الناجحون والطموحون هي ضحية هذه النوع من المكايد والألاعيب الخبيثة. من ناحية أخرى، في بيئات العمل توجد الكثير من الشخصيات الشبيهة بالإسكافي والتي لا تتجاوز حدود النعل فحسب بل تحاول تغيير المنظومة كاملة لتصير نعلاً يسهل عليها التحكم فيه وفهم كل شيء عنه والتعليق عليه. فعلى سبيل المثال، المديرون الذين لا يفهمون إلا المعارف والطرق القديمة قبل عشرين سنة سيحاربون بكل قواهم أي عملية تحول وتغيير للتقنيات والأساليب الحديثة للحفاظ على سلطاتهم وسيطرتهم حتى لو كان ذلك يعني انهيار المنظومة بشكل كامل. مثال آخر على مسؤولين يعشقون ويتقنون النقاشات في الاستراتيجيات ولا مانع لديهم من أن تصرف الميزانيات الضخمة مع الشركات الاستشارية، وتنقضي السنوات والاجتماعات لنقاشات لا تنتهي وجدالات في الاستراتيجية. وباختصار، ليست المشكلة في وجود الإسكافي في بيئة العمل، بل المشكلة في أن يسمح المدير للإسكافي بتجاوز حدود النعل والتدخل والتعليق واتخاذ القرارات في مجالات لا علم له بها. تنجح المنظمة إذا أوكلت للإسكافي المهمات والمسؤوليات المتناسبة مع إمكانياته وقدراته، أما التمكين وإعطاء الصلاحيات للأشخاص غير المؤهلين فسيقود إلى تدمير المنظومة بكاملها، أما الإسكافي فسينتقل بعد خراب مالطا إلى مكان آخر ليتجاوز حدود النعل هنالك من جديد.