هل كان من قبيل المصادفة ان يقبل القراء الألمان، أواخر العام 1918 على كتاب وضعه استاذ مدرسة حول نفسه الى فيلسوف لمناسبة كتابته ذلك النص الذي جعل عنوانه "اندحار الغرب"؟ في ذلك الحين ثار النقاد والفلاسفة كلهم ضد الكتاب وضد مؤلفه اوزفلد شبنغلر، غير ان ثورتهم لم تزد مبيعات الكتاب الا ارتفاعاً والقراء إلا إقبالاً عليه. وذلك بكل بساطة لأن القراء كانوا في حاجة الى قراءة ما كتبه شبنغلر. فما كتبه هذا الأخير، في نصه الطويل ذاك، كان مريحاً الى أبعد الحدود: بكل اختصار قال ان الغرب بشكل عام قد تحول من مستوى الإبداع والخلق الى مستوى الاسترخاء المادي والتأمل. ولم يعد أمامه الآن الا الاندحار مطبوعاً بالامبريالية والحرب. وهذه النظرية تولدت لدى شبنغلر، ضمن اطار رؤية عامة الى التاريخ تراه ذا حركة دائرة مرسومة سلفاً ويمكن التنبؤ بمسارها. كان شبنغلر يرى ان فلسفته انما هي رؤية عالمية كانت أحداث القرن التاسع عشر وأفكاره كلها تقود اليها. والحال ان القراء الألمان ما كانوا في حاجة الى أكثر من تلك النظرية لكي يرموا عليها ثقل هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى. بمعنى ان الهزيمة كانت حتمية، وليس لهم يد فيها. وكان الالمان في ذلك الحين يعيشون، بالطبع، حالة يأس مطبق فأتى الكتاب ليسبغ نوعاً من التفسير العقلاني على ذلك اليأس. ومن ناحية ثانية أتى ليقول ان المانيا ليست وحدها الأمة ذات المصير المظلم، فالغرب كله مقبل على مرحلة ظلام محتمة، لذلك ليس على المانيا الا القبول بمصيرها الذي لا يمكن الغاؤه. هذا كان رأي القراء. أما النقاد فرأوا الكتاب حافلاً بالاخطاء وأخذوا على شبنغلر كونه يخوض في ميدان لا باع له فيه. غير ان أحداً يومها لم يأبه بآراء النقاد طبعاً.