حين نتأمل في خريطة الأرض، لا تبدو لنا مجرد خطوط مرسومة وتضاريس جامدة، بل تتجلى كأنها ملامح وجوه ناطقة، ونبض قلوب حية، وذاكرة أمم تعاقبت عليها الحضارات ومرت بها السنون. فالمكان ليس نقطة على سطح الكرة الأرضية تحدد بالإحداثيات، بل هو إطار عظيم يشكل الإنسان، يلون طباعه، ويهذب سلوكه، ويصوغ أحلامه وطموحاته. وفي المدن المكتظة، حيث الزحام وضيق المساحات، تتغير المعادلة ويختلف المزاج البشري، يصبح الإنسان أكثر تحفظًا، أكثر حذرًا، وربما أكثر عدوانية. المكان الضيق يضيق معه الحلم، ويخنق الطموح، ويجعل الصمت لغة نجاة حين تعجز الكلمات، حتى تفاصيل المكان، هدوؤه، أو صخبه، تصوغ في أعماقنا مشاعر متباينة من السكينة العذبة إلى التوتر الملتهب، ومن الإيجابية التي تفتح أبواب الأمل إلى السلبية التي تطفئ شعلته. وليس غريبًا أن نرى عبر التاريخ كيف كانت البيئة الجغرافية سببًا في نهوض حضارات عظيمة أو اندثارها، فالماء العذب كان شريان الحياة، والجبال حصنًا وملاذًا، والموانئ بوابة للتجارة والرحلات البعيدة، وعلى ضفاف الأنهار قامت مدن خالدة، وفي بطون الأودية رسمت ملامح الزراعة وتغذت، فالمكان يؤثر في الروح، ويغذي الفكر، ويمنح الإنسان رؤيته الخاصة للعالم من حوله. الموقع الجغرافي أيضًا يحدد نظرة الإنسان إلى ذاته، فالمكان الذي يحتضن الفرد يغرس فيه شعورًا بالانتماء، ويعانقه بالثقة، ويشجعه على أن يحلق بأحلامه، أما المكان الذي يضيق على أنفاسه، فيجعله يعيد التفكير في قدراته، ويحثه على البحث عن آفاق أرحب يحقق فيها ذاته ويسطر تاريخه. فالمكان ليس جغرافيا جامدة، بل هو حياة نابضة تتسرب في أوصالنا، وتظل محفورة في ذاكرتنا ما حيينا. يبقى المكان هو المرآة التي تعكس دواخلنا، وهو المسرح الكبير الذي نمثل عليه أدوارنا، وهو الحاضن لأحلامنا وآلامنا وطموحاتنا. وفي الصحراء الفسيحة، حيث الاتساع والفراغ الممتد بلا حدود، يولد الكرم كالنخلة التي تعطي بلا منّ، وتنبثق النجدة كما ينبثق السراب من بعد بعيد. هناك تغزل قصائد الوفاء على رمال نقية، وتنشد أهازيج الكرامة بين الخيام والنجوم. يتعلم ابن الصحراء أن يمد يده قبل أن يطلب منه، وأن يفتح بيته قبل أن يطرق بابه. إن سعة المكان تزرع في النفس سعة صدر، وتمنحها فسحة للتأمل، وإيمانًا راسخًا بأن الغد أجمل مهما اشتدت قسوة اليوم. ونحن كسعوديين، من رحم هذه الصحراء وهدوئها وامتدادها، ورثنا الكرم عادةً أصيلة، نمد العون بلا حساب، ونبني الجود كأنه سمة في دمائنا.. هذه البيئة الصحراوية علمتنا أن نكون أصحاب نفوس عالية، وأن تكون نظرتنا واسعة، فطموحنا لا تحده حدود. وكما قال الأمير الشاعر بدر بن عبدالمحسن رحمه الله: أنا من هالأرض… أرض النجوم الزاهرة أنا من هالأرض… اللي حدودها ماهي حدود بقلم/ حصة الزهراني ماجستير في العلاقات العامة والاتصال المؤسسي