نائب أمير المدينة: تنفيذ مشروعات الجسور بأعلى المعايير    4 ضوابط لانتقال منسوبي 3 جهات حكومية ل«الملكية الفكرية»    اكتشاف دلائل هجرات للجزيرة العربية منذ 120 ألف سنة    الاتفاق يجري تدريباته الإعدادية على فترتين صباحية ومسائية    الشمري ينضم الى تدريبات دوردريخت الهولندي    «كورونا» يقلّص الحضور لحفلات يوم الوطن ال90    «الوزاري العربي» يدعو المجتمع الدولي للضغط على الحوثي لتقييم حالة «صافر»    القضاء البلغاري: المؤبد لعنصرين من «حزب الله»    الحوثي يفاقم كارثة «كورونا» بإغلاق مطار صنعاء    أمير الشمالية: بناء قاعدة تنموية محفزة للاستثمار    تطييب الكعبة المشرفة.. بالعود والعطور    غلاييني يخسر رهانه والراعي ينسحب من العميد    بوتيا يمدد عقده مع الوحدة    سبتمبر آخر موعد لتسجيل الراغبات بالدوري النسائي    شكل جديد ل «صحيفة الدعوى».. ربط البيانات بالنفاذ الوطني    «الشورى» يناقش تقرير «رعاية ذوي الإعاقة»    تربويون ل عكاظ: إدراج «الإنجليزية» ل «الأول ابتدائي» تحسين لمخرجات التعليم    لدعم الصناعات المحلية.. تفضيل أسعار 208 منتجات وطنية على نظائرها الأجنبية    تفعيل برامج الإسكان في ينبع والعيص    الأمير خالد الفيصل يتوّج الفائزين بجائزة مكة للتميّز 1440    برئاسة حمد آل الشيخ.. «وزاري عربي» يناقش فصول وثيقة تطوير التعليم    وزير الشؤون الإسلامية: جماعة الإخوان يحاربون كل من يحذر من خطرهم    «استشاري» ينتقد مبالغة المستشفيات الخاصة في أسعار العمليات والكشوفات الطبية    «دلة» في يوم الوطن    منصف السلاوي: لقاح «كورونا» سيكون متوفرا في هذا الموعد    فيتوريا: جودة النصر لم تتغير بتغير اللاعبين    أسعار النفط تنخفض أكثر من 4%    المملكة نموذج الاستقرار والاستمرار    عون يناقض نفسه.. يرفض الطائفية ويتمسك بحزب الله    لا يبدو للأمر نهاية    فنون معلمي ومعلمات جدة تنثر إبداعاتها لليوم الوطني    السديس يشارك في الصيانة الدورية لكسوة الكعبة    الحميد إلى الرابعة عشرة    وطن بحجم أمة    مخالفات بالجملة داخل منشآت غذائية في أجياد مكة المكرمة    تنزيل برنامج ToTok في الإمارات    هيئة الأدب والنشر والترجمة تنظم لقاءً عن واقع الصحافة الثقافية    الرئيس الأمريكي: لن نسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي    الميليشيا تستهدف الأحياء السكنية في تعز ب15 قذيفة دبابة    يجمع خير الدنيا والآخرة.. دعاء أكثر منه النبي طوال حياته (فيديو)    مركز حضاري وثقافي في «غار حراء» تنفذه الهيئة الملكية لمكة    الضغط الإعلامي والجماهيري سبب أزمات الاتحاد    كوفيد.. «أوقات عصيبة» و«شتاء قاتل»    المملكة تؤكد أهمية تعزيز حقوق كبار السن    9 محافظين يشهدون انطلاق فعاليات اليوم الوطني بصبيا    هيئة الصحفيين تقيم حلقة نقاش احتفاءً باليوم الوطني    بلدية #طريب تنهي الاستعدادات لاحتفال #اليوم_الوطني_90    الرياض: القبض على 3 متهمين تلاعبوا بمخالفات التهرب الضريبي    ولاء منقطع النظير لوطن شامخ مستقر ينشد العلياء    رئيس بلدية #طريب : #اليوم_الوطني_السعودي_90 فخر وهمّة واعتزاز لكل #سعودي    مهرجان العلا للتمور فعاليات متنوعة ومجال رحب للمستثمرين    مربط المطبقانى ينظم بطولة اليوم الوطنى لقفز الحواجز    طبيبك في جيبك    ⁧‫الصحة⁩: تسجيل 492 إصابة جديدة بفيروس ⁧‫كورونا⁩ و 1060 حالة تعافي و 27 حالة وفاة    بشكل رسمي.. وزارة الحج تعلن العودة للعمرة تقنياً    أمير منطقة الرياض يفتتح حملة «الصلاة نور»    مدى تأثير دخل التابع الموظف على مبلغ دعم حساب المواطن لرب الأسرة    3 قطاعات مُلزمة بتحديد المهن الحرجة خلال 8 أشهر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





المعهد الصحي وماعز بُرعي
نشر في عكاظ يوم 07 - 08 - 2020

أقبل (أبو يوسف) من الرياض لقضاء إجازة الصيف مع أهله في القرية، وبشّر العريفة بأنباء اعتماد جملة من مدارس البنات في قريتهم والقرى المجاورة. قال العريفة: بشارة خير من وجه الخير. اجتمع مع المقاول (أبو سعد) ليطلبه التبرع بمنزله الجديد مدرسة لمدة عام وبعد العام يخلق الله ما لا يعلمون، فكان إيجابياً في ردّه: هذا مفتاح البيت بيدك يا عريفتنا وما تراه مناسباً لا تتردد في فعله.
لا تخلو القرية من حاسد وواشٍ وطامع ومشوّش خصوصاً أن وافداً دخلها على حين غِرة من أهلها وبدأ يروّج أفكاراً غير منسجمة مع حياة البسطاء الفطرية، ولقي بين القرويين من يحتفي بأفكاره، خصوصاً أنه يتجمّل بكحل العين ويدور بالبخور في الساحات، وفرك الجبهة حتى انطبعت سجدة سوداء بارزة، ويرتدي ثوباً لمنتصف الساق ويهدي السواك كل جمعة، ويوزع حليباً من الماعز التي جلبها من بلاده وغدت تجوب القرية وتمشط الطرقات وتدخل كل بيت.
بنهاية الأسبوع اعتلى الفقيه المنبر وعلى غير العادة لم يمد يده ليتناول كتاب البيحاني (الفتوحات الربانية بالخُطب والمواعظ القرآنية)، بل ظل ساكناً فوق الكرسي، وما إن انتهى المؤذن من النداء الثاني، حتى وقف وفتح الشباك الصغير المحاذي للمحراب ليستضيء بنور النهار، وركّب نظارته المُقعّرة، ثم أخرج ورقة من جيبه، وشرع في حمد الله والصلاة والسلام على رسوله والوصية بالتقوى، ثم انبرى لتناول قضية افتتاح مدارس للبنات وما يترتب عليها من مخاطر. انفعل وأرغى وأزبد وتوعّد وأنذر المصلين مما يُراد بالمرأة بدءاً من إخراجها من بيتها لتدرس ثم لتعمل وتختلط بالرجال، واستفز الحضور باتهامه من يرضى بتعليم ابنته بالدياثة وانعدام الغيرة، والمصلون يتلافتون في بعض و(برعي) يهرش لحيته الكثة بيد ويدير السواك في فمه بيد ويتبسم.
انتهت الصلاة فوقف العريفة التنويري بكامل أناقته ولياقته، وقال؛ يا جماعتي؛ وصلني خطاب من الرياسة يشعرونا فيه بقرب فتح مدرسة بنات خاصة بقريتنا، وأضاف؛ والله ما أشوف بناتكم إلا مثل بناتي، وأبو سعد كثر الله مرزقه تبرع ببيته مقراً للمدرسة، والتعليم رسالة الأنبياء والمصلحين والدولة ما تعتمد إلا ما فيه خير لشعبها، والتفت للإمام الجالس في محرابه يحرك شفتيه بطريقة توحي بالخشية، فطلب منه يقف بجواره، فوقف مرتعداً وسأله: من أين جئتنا بهذه الخطبة المخوشة؟ فأجابه؛ أعطانيها (بُرعي) فبحث عن برعي في المسجد فلم يره، فقال: دواك عندي أنت وبرعيّك يا الفاغر.
تبرع العم سعيد بتوفير الأقمشة الخاصة بالطالبات واستعد عم أحمد لتفصيلها وخياطتها مجاناً وأعلن التاجر مسفر تبرعه بالشنط والأقلام والدفاتر، فانتشى العريفة واستنزل جنبيته من الزافر وأخذ يحتلج ويقصد (صُلب رأسي يا لبيب قوم، والدراسة لان دربها).
تم افتتاح المدرسة وتوزعت الدراسة على فترتين صباحية للصغيرات ومسائية للكبيرات، ودخلت المراييل الملونة معظم البيوت وبدأ الرجال يفاخرون بالصبايا ويفتحون لهن أبواب الأمل بأنهن سيصبحن غداً معلمات وطبيبات ومهندسات واشترك عدد من الأهالي في الصحف لتكون الجريدة وسيلة تربية على القراءة والثقافة، وبعض الآباء لا يطرب إلا إذا اقتربت ابنته إلى جواره لتقرأ له عناوين الصحيفة وتفاصيل الأخبار، وهو يردد (العلم يرفع بيتا لا عماد له، والجهل يهدم بيت العز والشرف).
استدعى (برعي) الفقيه، وبدأ يحرّضه طيلة ليال على العريفة، ويردد (ده حيخرّب دينكم) وأخرج شنطة صغيرة ومد له بألف ريال، وقال عاوزين نحبط مخططه) وطلب منه تأليب الجماعة لإفشال مشروع تعليم الفتاة، وأوصاه بشراء الذمم الرخيصة ليشكلوا صوتاً معارضاً، فاصطف معه المؤذن وفراش المسجد والشاعر الأعمى وكانوا يجلسون كل عصر أمام المسجد والبنات الكبيرات متجهات للمدرسة فيعلقون ساخرين (سرحت ماعز بُرعي راحت معزى برعي) كناية عن ألوان المراييل الحمراء، والشاعر الأعمى يمد الصوت (يا قليل الرُشد ياذا تحب العسعسة، خذ من أهل المدرسة).
نجحت مديرة المدرسة (نظيرة) في كسب قلوب الأمهات والآباء وأوقفت وقتها طوال اليوم للبنات تدير وتعلم وتربي وتدرب على الخياطة، وفي أول يوم امتحانات لم تحضر الطالبات فخرجت بعباءتها تطلبهن من البيوت فاكتشفت أنه بدأ موسم حصاد القمح والبنات في الأودية فلحقت بهن وجمعتهن وأجرت الامتحان واتفقت مع الأمهات أن تقدم الاختبار للصغيرات بعد صلاة الفجر وللكبيرات بعد العصر.
راحت أيام وجاءت أيام وتم افتتاح معهد صحي للبنين فتوافد عليه الطلاب من كل حدب وصوب، وسمع مدير المعهد أن الجهات المختصة بصدد افتتاح معهد صحي للبنات فأعدّ عريضة باسم الأهالي وحذر المتبنين للفكرة من عواقب هذه المغامرة غير المحسوبة والتي لن تحمد مآلاتها، وجمع عليها التوقيعات حتى وصل عند العريفة، فسأله؛ هل وقّعت أنت يا العُود المدخّن؟ فأجاب: أنا دال على الخير فقط وتوقيعي ما له داعي لأن بنتي طموحها أكبر. فتناول العريفة منه العريضة ومزقها، وقال؛ إن كنت أخونا فمرحباً بك، وإن كنت أخو برعي فافلح مع برعي وكلن يكتال في جرابه.
استيقظت القرية ذات صباح بهي على بناء كليات ومعاهد. افتقد العريفة برعي فسأل عنه، قالوا: سرق فلوس الجمعية وشرد، فقال: والفقيه ما أشوفه: فأبلغوه أنه سافر مع ابنته المبتعثة لدراسة الطب.
كاتب سعودي
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.