يأتي رمضان كل عام كدعوة هادئة لإعادة ترتيب الداخل. شهر يذكّر الإنسان بأن الحياة ليست سباقاً دائماً نحو الامتلاك، بل فرصة للتخفف، للتأمل، وللاكتفاء بما يكفي. الصيام في جوهره ليس امتناعاً عن الطعام فقط، بل عن الضجيج الداخلي، عن الركض المستمر خلف (...)
يولد الإنسان وهو جزء من جماعة قبل أن يكون فرداً. اسمه يُعرف من خلال عائلته، وقيمته تُقاس بموقعه داخل محيطه، وقراراته غالباً تُفهم بوصفها امتداداً لإرادة الجماعة لا تعبيراً عن ذاته. في هذه البيئات لا يُطلب من الإنسان أن يسأل: من أنا؟ بل يُطلب منه أن (...)
العميل النفسي لا يدخل غرفة العلاج كأي زائر عابر. لا يذهب ليحكي قصة عادية، بل ليكشف أكثر أجزائه هشاشة. يدخل وهو يحمل صدماته، قلقه، أسراره، وتاريخه الشخصي الذي لم يطلع عليه أحد. في تلك اللحظة، يكون قد اتخذ قراراً شجاعاً: أن يثق. والسؤال الذي يجب أن (...)
ليس كل تاريخ يُكتب في الكتب فقط، بعض التواريخ يُكتب في الوعي، وفي الذاكرة، وفي طريقة نظر الشعوب إلى نفسها، ويوم التأسيس السعودي، 22 فبراير عام 1727، ليس مجرد رقم في سجل الأحداث، بل هو لحظة وعي جماعي، قرر فيها هذا الوطن أن ينتقل من حالة التشتت إلى (...)
في السنوات الأخيرة، لم يعد الإرهاق مجرد تعب عابر، ولا الضغط حالة مؤقتة، بل أصبح نمط حياة. كثير من الموظفين في السعودية يعيشون اليوم في حالة استنزاف مستمر، يعملون لساعات طويلة، يفكرون في العمل حتى وهم في بيوتهم، ويشعرون بالذنب إذا أخذوا إجازة. هذه (...)
حين ندخل إلى أكاديمية رياضية ونشاهد الأطفال يتدربون بقمصان الأندية، نحمل في داخلنا شعورًا بالفخر والأمل. نرى فيهم مشاريع نجوم المستقبل، وأحلام العائلات، واستثمارات المؤسسات. لكن خلف هذا المشهد الجميل، يبقى سؤال مهم غالبًا ما يُهمَل: من يحمي هؤلاء (...)
في كثير من الأندية، خصوصًا على مستوى الفئات السنية، لا تُقاس الموهبة إلا بما تُقدّمه داخل الملعب.. سرعة، مهارة، هدف، صفقة، أما ما يحدث خارج الملعب، في الفصل، في الكتاب، في تكوين العقل والهوية، فهو تفصيل مؤجل.. أو غير موجود أصلًا، وهنا تبدأ المشكلة (...)
لا يمكن الحديث عن جودة الخدمات النفسية بمعزل عن واقع الأخصائي النفسي نفسه. فالعلاج النفسي ليس منتجًا يُصنّع على خط إنتاج، ولا خدمة آلية تُقدَّم بلا أثر للسياق الذي يعمل فيه المعالج. ومع ذلك، تعاني كثير من المراكز النفسية الخاصة من مشكلة جوهرية تُغفل (...)
لم تعد كرة القدم الحديثة تُقاس بما يملكه اللاعب من موهبة فطرية، ولا بعدد المهارات التي يستطيع إظهارها في لحظة إبداع عابرة، بل أصبحت منظومة متكاملة تُبنى على العقل قبل القدم، وعلى الوعي قبل الاندفاع. وفي ظل استعداد المملكة العربية السعودية لاستضافة (...)
في السنوات الأخيرة بدأ الناس يدركون شيئًا جوهريًا في حياتهم النفسية: أن الضياع ليس شعورًا غامضًا كما يبدو، بل هو نتيجة غياب اتجاه واضح يقود الإنسان نحو معنى يعيش من أجله. هذا الاكتشاف البسيط كان جوهر مدرسة ألفرد أدلر منذ أكثر من مئة عام، حين قال إن (...)
في زمنٍ تتسارع فيه الحياة وتتداخل فيه الضغوط النفسية مع تفاصيل الإنسان اليومية، يصبح وجود المعالج النفسي ضرورة لا ترفًا. لكن ما يغيب عن كثيرين هو أن هذه المهنة ليست مجرد أدوات علاجية أو جلسات منظمة أو بروتوكولات علمية جاهزة؛ بل هي مهنة أخلاقية قبل (...)
في كل وزارة هناك خلل يمكن ملاحظته لا يؤثر في المستفيدين، لكن في وزارة الصحة تحديدًا، الخلل له أثر مباشر في الإنسان ذاته، في نبضه، صحته، ومكانته حين يطلب الخدمة. إحدى المشكلات المزمنة التي لم تُطرح بالجرأة الكافية هي تحول الأطباء إلى وظائف إدارية، (...)
في زمن أصبحت فيه العقلية أهم من القدم، لم يعد الطريق إلى النجومية في الملاعب يمر فقط عبر التدريبات اليومية أو المهارة الفطرية، بل عبر ما هو أعمق وأدق: العقل والنفس. نحن نعيش اليوم عصرًا تتقاطع فيه الرياضة مع علم النفس أكثر من أي وقت مضى، وأصبح (...)
من السهل أن نملأ الرفوف بالكتب، لكن من الصعب أن نملأ العقول بالفكر. هذه هي مأساة الإنتاج الأدبي العربي اليوم: هشاشة ظاهرة، وادعاء متقن. كأننا أمام جيل من المؤلفين الذين يكتبون لا ليقولوا شيئًا، بل ليُقال عنهم إنهم قالوا شيئًا.
حين تتأمل المشهد (...)
لطالما قيل إن القراءة تفتح العقول، وتُهذّب النفوس، وتُنير الطريق. لكن قلّما يتحدث أحد عن الجانب الآخر، عن ذلك الظل الذي يرافق القارئ حين يتجاوز الحدّ الفاصل بين الوعي والإنهاك. ليس كل ما يُنيرُنا يُريحنا، فالمعرفة في لحظاتٍ كثيرة تُثقل الكتف أكثر (...)
في كل خريف من أعوامنا الأخيرة، تنبض الرياض بشيءٍ يشبه «الوعي الجمعي» أكثر من كونه مجرد مهرجان للكتب. حين تفتح أبواب معرض الرياض الدولي للكتاب، فإنك لا تدخل قاعة بيعٍ وشراء، بل تدخل ذاكرة أمةٍ تعيد تعريف نفسها عبر الحرف والفكرة والسؤال. في هذه الأيام (...)
حين نسمع كلمة «التوحّد»، يقفز إلى أذهان كثيرين مشهد طفل صامت، غارق في عزلته، لا يتواصل مع العالم. الصورة مؤلمة، لكنها ناقصة. الحقيقة أن التوحّد ليس نهاية المسار، بل بداية لطريق يحتاج فقط إلى عين ترى الإمكانات لا العوائق، وإلى تدخل مبكر يفتح الأبواب (...)
في زحمة الشعارات الإنسانية التي ترفعها بعض المؤسسات التعليمية، نجد واقعًا أكثر قسوة مما يُعرض في الصور الدعائية. الحديث هنا عن مدارس الرعاية النهارية المخصصة لذوي الإعاقة الذهنية، وطيف التوحد، ومتلازمة داون. مؤسسات يُفترض أن تكون حاضنةً للرحمة (...)
في جازان، حيث تنبض الأرواح بالحب لكرة القدم، وحيث تكاد الأزقة الصغيرة تتحوّل إلى ملاعب شعبية لا تنطفئ أنوارها حتى بعد منتصف الليل، يظل المشهد ناقصًا: لا ملعب جماهيري يليق بشغف أهل المنطقة ولا منشأة رياضية تحتضن هذا العطش المزمن للرياضة. مفارقة مؤلمة (...)
لا يمكن أن نغضّ الطرف عن مشكلة تتنامى في صمت داخل مدارسنا وجامعاتنا: الاحتراق الوظيفي لدى المعلمين. تلك الحالة النفسية التي تجعل المعلّم، الذي كان يومًا مشرق الوجه، متحمسًا لنقل المعرفة، يتحوّل إلى شخص مرهق، فاقد للحماس، يؤدي واجبه كأنه روتين ثقيل (...)
لم يكن الإنسان في تاريخه الحديث أكثر اتصالًا بالعالم كهذا العصر. لكنه في المقابل، لم يكن أكثر قلقًا، أو أكثر شعورًا بالنقص كما هو اليوم. شيء ما تغير في تركيبة الدماغ البشري. وكأن التقنية لم توسّع إدراكنا، بل زادت من جوعنا. صارت العين لا تكتفي، (...)
في زاوية من زوايا الإدارات التعليمية، ثمة أوراق جامدة تقرر مصير بشر. أوراق تقول إن اللغة العربية ليست مؤهلة لتُدرَّس في المرحلة الابتدائية، أو أن خريجات «عربي 2» غير مؤهلات لتعليم النحو والإملاء للأطفال، رغم أنهن أمضين أربع سنوات في قاعات جامعية (...)
ثمة حساسية غريبة بل عجيبة باتت تلازم العقل العربي المعاصر حين يُذكر التراث، وكأن في الأمر استدعاء لأشباح الماضي أو نكوصًا عن المستقبل. تثار هذه الحساسية تحديدًا في الأوساط المثقفة والفكرية، حيث نجد أصواتًا تعلو بحدة كلما طُرحت فكرة التفاعل مع التراث (...)
عندما نقرأ تاريخ العلم-التجريبي عبر التاريخ، نلاحظ أن هناك تجاهلًا للتاريخ العلمي عند العرب. نجد قفزة من اليونان إلى عصر النهضة دون أي ذكر لتحولات العلم-التجريبي في التاريخ العلمي عند العرب. في هذا المقام، عندما نذكر مصطلح «العلم» نقصد بهِ المعرفة (...)
قبل عدة أيام عدت إلى أرض المملكة العزيزة عن طريق مطار الملك عبدالعزيز الدولي بجدة، انبهرت بسرعة الإجراءات التي لم أصادف مثلها في المطارات التي زرتها والتي تفوق العشرين مطارًا في جميع أنحاء العالم. عندما وصلت إلى صالة القدوم، واجهت جهاز الجوازات (...)