تتأسس مبادرة مدن التعلم على فكرة عميقة في جوهرها: ألا يبقى التعلم حبيس الصفوف الدراسية، ولا مرتبطًا بعمر معين أو بشهادة محددة، بل يتحول إلى ممارسة يومية تشارك فيها المدينة بكل مؤسساتها وفضاءاتها، من المدرسة إلى الحي، ومن المكتبة إلى أماكن العمل، ومن الأسر إلى المجتمع. وتتبنى اليونيسكو هذه المبادرة ضمن شبكة عالمية لمدن التعلم منطلقة من فكرة أن البنى التحتية ليست الأساس بل الإنسان القادر على التعلم المستمر، والتكيف، وإنتاج احتياجاته المعرفية بحسب المتغيرات من حوله. الانتقال من مفهوم «التعليم» إلى مفهوم «التعلم» ومن التركيز على المحتوى المنهجي الذي يقدم بشكل رسمي إلى الاستثمار في الخبرات البشرية المتراكمة والتي يمكن مشاركتها مع الجميع. بمعنى أعمق يمكن القول إن الإنسان اكتشف طريقه نحو المعرفة قبل أن يخترع المدرسة والأطر المنظمة للتعليم الرسمي. واليوم هذه المعرفة يمكن إعادة ضخها في المجتمعات، بما يهيئ أي مجتمع لعملية تعليمية مستمرة خارج النظام المدرسي. الفكرة جاذبة وأهدافها نبيلة، لكن الانتقال بها من الإطار النظري إلى التطبيق العملي يواجه تحديات حقيقية، خصوصًا في مجتمعات تنظر إلى التعلم كفعل رسمي منضبط تحت سقف المدرسة والمنهج والاختبارات. من أبرز المعوقات أمام فكرة «مدن التعلم» الفهم المحدود للتعلم، حيث يختزل في التحصيل الأكاديمي وتهمش أشكال التعليم المجتمعي والتعلم القائم على التجربة، والتعلم القيمي. وينعكس هذا بدوره على المجتمع ويظهر في ضعف الحماس لأي عمل تعليمي لا يحمل صفة رسمية وتقييمًا رقميًا محددًا. أما على مستوى التطبيق في المدارس فتبرز تحديات أكثر تعقيدًا، يأتي في مقدمتها الضغط الإداري والوظيفي على المعلمين حيث إن المدارس كمؤسسات تعليمية رسمية هي في الواقع تدار بمنطق الإنجاز السريع، والخطط الزمنية، والالتزام الحرفي بالأنظمة وهامش الابتكار والشراكات فيها محدود ومنظم. وفي هذا السياق تستقبل مبادرات مدن التعلم كأعمال إضافية غير أساسية، وتقابل أحيانًا بالحذر من المساءلة في حال الخروج عن المألوف. كما أن الأطر التنظيمية لا تزال غير واضحة وتفتقر لثبات الفكرة مما يجعلها رهينة للاجتهاد الفردي وقابلة للتلاشي عند تغير الأشخاص. أعتقد أن تجاوز هذه التحديات وغيرها يبدأ بإعادة تعريف مدن التعلم كمنهج تفكير عام بدلًا من كونه نشاطًا مدرسيًا إضافيًا، من المهم أن يتم تفعيل المدينة بكاملها لتتحدث بلغة تعليمية ذكية في أماكنها العامة، في أماكن الترفيه، وحتى في الشوارع. قد يكون مفيدًا البدء بمبادرات صغيرة قابلة للتنفيذ زمنًا وحجمًا، وكذلك بناء شراكات مجتمعية ولو في صور بسيطة، كأن تفتح المدرسة خارج وقت الدوام لتقديم برنامج قصير لأسر الحي ولو يومًا في الأسبوع، أو يخصص ركن في مقهى أو حديقة لتقديم برنامج تعليمي أو توظف الشاشات في المولات لتكرار مفاهيم تعليمية ذات قيمة. إن أفكارا صغيرة كهذه من شأنها تحقيق الاستجابة لتطبيق فكرة مدن التعلم بأدوات العصر، بشكل يتيح للمجتمع أن يستثمر كل طاقاته المعرفية لتداول المعرفة، وأن يتعلم أفراده معًا.