حظي هاني بن بريك بتزكية صوتية فخمة من الشيخ ربيع بن هادي المدخلي، رحمه الله، منذ زمن وأصبحت هذه التزكية في هذه الأيام بيد خصوم الشيخ وبيد الموالين لهاني بن بريك، فخصوم الشيخ أقل ما يقولونه عنها إنها تدل على تفريطه في التزكية، وبعضهم يقولون أشياء أُخَر عفا الله عنا وعنهم؛ أما الموالون لابن بريك فإنهم يرون أنه كما وصفه الشيخ لم يتغير ولم يتبدل. وخصوم الشيخ لا فائدة لهم من هذا التسجيل إلا كونه فرصة للتشنيع على الشيخ الذي يعدونه عدوًا، والتشنيع على أتباعه الذين هم أشد منه في عداوتهم لهم كما يرون. ومن هم على منهج الشيخ، ومن يزعمون أنهم على منهجه، فهم حتى في حياة الشيخ كانوا فرقا عديدة بعضها يبدعها الشيخ نفسه وبعضها تبدع هي الشيخ، وبينهم من الردود الطوال أكثر مما بينهم وبين الإخوان المسلمين على صريح عداوتهم لهم، بل منهم من حمل السلاح وقتل من يسميهم بالمبتدعة بزعم أنهم خوارج، وهم موجودون بكثرة في ليبيا ويحملون السلاح، والحكمُ على الناس سريع عندهم جدًا، وإن استقام وصلح الأمر في ليبيا بعون الله فسوف يشتهر أمرهم ولعلهم يَظْهَرُون ويحاكمون أو لعل الله أن يصلحهم؛ وكذلك في سوريا كان لهم وجود قليل ولهم أسم فِرقة ينفردون به عن غيرهم. وأولئك وغيرهم يُظهرون التبجيل للشيخ ربيع، وليس الشيخ شريكا لهم في أي من أقوالهم التي يقتل بعضهم بها من خالفه؛ وهم إما جهلة بأقوال الشيخ وتطبيقاتها الصحيحة، وإما أن في أقواله من العموم ما يلجأ به كلُ منهم إلى تخصيصها بما يوافق هواه. ومبدأ طاعة ولي الأمر، هي الفكرة التي لا يختلف أهل السنة والجماعة فيها، ويدخلون هم في التأويل من طريقها، فإن ظهورهم إنما هو في البلاد التي غاب عنها ولي الأمر، أو لم تستقر الدولة على حاكم واحد، فتجدهم إما أن يقتدوا بأحد ممن تولى السيطرة في تلك البلاد فيرون أن أتباع غيره مستحقون لوصف الخوارج، أو أنهم لا يعترفون بأي منهم فيقاتلون الجميع بحجة وصفهم بالخروج، أو أن يُلْبِسُونهم أَيَّ لباس آخر، المهم أن يُقَاتَلوا. وقد ظهر قول في الساحة الإعلامية المنفتحة وهو اتهامهم بأنهم ينتسبون إلى بعض أجهزة الاستخبارات من الدول التي يُهمها وُجود الفُرقة بين المسلمين؛ وفي ظني عدم صحة ذلك أو لنقل: ليس لدينا ما يُثبت ذلك؛ لكن وُجود الجهل في هذه العقليات واستثمارَ بعض الأجهزة لأخطائهم قريب جدًا. وإذا كان هاني بن بريك لا يزال ينتسب إلى السلفية، ويرى أن موقفه الحالي لا يزال موافقًا لما يدعيه من السلفية، فهو من ضمن فريق من تلك الفرق التي يُبَدِع بعضها بعضا وكلها تنتسب فيما تزعم لمنهج السلف رضي الله عنهم. وطاعة ولي الأمر المسلم واجبة، بل هي فرض ثابت في القرآن الكريم كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا أَطيعُوا اللَّهَ وَأَطيعُوا الرَّسولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم فَإِن تَنازَعتُم في شَيءٍ فَرُدّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسولِ إِن كُنتُم تُؤمِنونَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ ذلِكَ خَيرٌ وَأَحسَنُ تَأويلًا﴾ [النساء: 59] والمقصود ب {وإن تنازعتم} أي اختلفتم فيما بينكم، أو بينكم وبين من ولاه الله أمركم، فيجب عليكم الرد إلى الله والرسول صلى الله عليه وسلم، ونتيجة ذلك الرد هي أمره سبحانه بالاعتصام بولي الأمر في غير معصية الله تعالى. أما الاشتغال بتكفير الحكام ثم القول بجواز الخروج عليهم فهو منهج شديد الانحراف ولا يصح من أفراد الناس في أفراد الناس فكيف بمن تولى الأمر وأصبح الخروج عليه يُمَثِّل مغبة كبرى على المسلمين الكائنين تحت ولايته؛ وقد رأينا ذلك عيانا في وقتنا الحاضر كما رأينا أن ما قاله ابن تيمية قبل سبعمائة عام ونيف يصح في وقتنا؛ حيث ذكر أن الدول التي تمت الثورة عليها تفوق الدول الجديدة طوالَ التاريخ إلا ما شاء الله. وهذا القول الذي أجملته فيه تفصيل، لكن على كل حال يعتبر هو القول الأقوى سياسةً، وإن كان الكثيرون يرون أن القائلين به بعيدون عن السياسة، وهذا خطأ محض، إذ إن أول ما تدعو إليه السياسة مصلحة الناس، ولا مصلحة أكبر من أمن الناس على دينهم وأنفسهم وأعراضهم ثم على عقولهم وأموالهم؛ لذلك أي لكونه سياسة نجد أن من يقول بهذا القول لا يعني أن يتعطل الإنسان عن الرغبة في الأصلح له ولقومه، لكن نجده يبدأ بإصلاح نفسه ثم إصلاح من يعول ثم الدعوة إلى الخير في دائرته، وتستمر الدوائر في توخي ذلك الخير إلى أن تصل إلى الدائرة القريبة من الحاكم، ثم إلى الحاكم نفسه، أما استعجال الأمر لتغيير الحاكم، فإنه حالَ نجاحه يُوْدِي بالكثير مما وراءه. وهكذا كانت حضرموت وكانت عدن وكانت المهرة وجميع بلاد جنوب اليمن تحت سلطة واحدة، وهي التي تُسمى بالشرعية؛ وإذا أخذنا بالقبول جميع الحجج التي يحتج بها الانفصاليون فليس هذا أوان طرحها لأن الانفصاليين خرجوا أثناء وجود تلك السلطة، بل خرجوا تحت مسميات تابعة للسلطة بزعمهم ثم أرادوا الانفصال؛ وإذا رجعنا إلى حكم ذلك شرعا نجده واضحا لا لبس فيه كما في الآية المتقدمة، فالطاعة فرض سواء وافقنا هذه السلطة أم خالفناها؛ ويعلم الجميع أن كثيرًا من التقصير الذي يشوب أعمال السلطة التشريعية منشؤه هذا الافتراق الذي ظلت الشرعية تعالجه هي والحكومة الحليفة لها أعني المملكة العربية السعودية سنوات، ولم تتدخل عسكريًا حتى بلغ السيل الزبى. كما أننا رأينا من مضار هذا الخروج كثيرًا، ولعل أضر ما توصل إليه الخارجون هو التواصل مع إسرائيل كما يسمونها؛ ولا يَشُك عاقل أن التواصل معها ضد أخ في الدار، أَيْ: مواطنٍ يمني، أو أخٍ في الجوار العربي المسلم، وهو السعودية، هو أبشع تصرف يمكن أن يتصرف به عاقل، فضلًا عن أن يتصرف به مسلم ضد مسلم وعربي ضد عربي، وغير خافٍ كون ذلك من المُكفرات التي ذكرها أصحاب الكتب من سلفيين وأشاعرة إلا في أحوال منها: استنقاذ الدِّين والنفسِ والعرضِ، بمعونة محددة من الكافر، ومنها: قدرة المسلمين على ذلك، كما صنع المسلمون في غزو صدام حسين للكويت؛ أما في حال اليمن فلم يبلغ الحال إلى ذلك أبدا، فالدولة قائمة بفروعها وإدخال العدو الصهيوني أمرٌ فيه من السفور وفيه من العيب والاستهانة بالإسلام وبتعاليمه الشيء الكثير عافانا الله وإياكم. ويزيد هذه الاستهانة شؤمًا: الادعاءُ بكونها على منهج السلف، لا لشيء، إلا أن أحد دعاتها كان سلفيًا وحظي بتزكية شيخ سلفي، رحم الله ذلك الشيخ فلا أظنه يبقى عنده ذلك الرجل مُزكى وقد فعل ما فعل.