الخطأ، في صورته البسيطة، فكرة غير موفّقة. وفي صورته المتقدمة، تجربة تعليمية. لكن في صورته الأخطر هو لحظة تعريف. لحظة تختصر ما قبلها، وتُلغي ما بعدها، وتضعك في خانة واحدة لا فواصل فيها. لهذا لا يكون السؤال الحقيقي: هل أخطأت؟ بل: أي نوع من الأخطاء هذا؟ من هنا تبدأ الحكاية. هناك جمل لا تُقال للتجميل، ولا للمجاملة، ولا لإظهار الامتنان في وقته المناسب، بل للتثبيت... كأنك تضع نقطة مرجعية في ذاكرتك حتى لا تضل لاحقًا. إحداها أقولها دائمًا، وربما سأظل أقولها ما حييت: الدكتور عبدالله الغذامي هو من وضعني على طريق الكتابة. الطريق الذي تمشي فيه وأنت لا تعرف على وجه الدقة أين يبدأ الأمان، وأين يبدأ الخطر. كنت أعرض عليه ما أكتب: كما يفعل أي كاتب في بداياته: يمدّ النص بكلتا يديّه، وينتظر. قرأ. ثم شجّع. ثم وجّه. ثم نقد. والنقد - لمن يراقبه من الخارج - حوار أفكار هادئ. لكن من يعيشه يعرف أنه لحظة اهتزاز داخلي، كأن أحدهم أزاح الأرض نصف خطوة تحت قدميك وطلب منك أن تعيد الوقوف. قالها ذات مرة، دون تمهيد عاطفي: «استلم الطريق... هذا طريقك واختيارك»، لم يقل: سأحميك. لم يقل: لا تخف. قال ما يعنيه تمامًا: أنت الآن مسؤول. قلت له - وربما كنت أختبر رده أكثر مما أختبر الفكرة - قد أخطئ. قال، وكأنه يذكّرني بأمر بديهي نسيناه: الخطأ سِمة المجتهدين. هذه الجملة نحبها. نرددها، نقتبسها. لكننا نحبها حين تكون عامة، وبعيدة، ولا تمسّنا مباشرة. في الواقع، نحن نحب الخطأ القابل للإصلاح. الخطأ الذي يمكن شرحه. الخطأ الذي لا يكلّف أكثر من اعتذار مهذّب أو توضيح لاحق. ولكن هناك نوع آخر من الأخطاء لا يقبل هذا الترف. خطأ لا يعود مجرد فكرة غير دقيقة، بل يتحول إلى لحظة فاصلة. خطأ لا يُناقَش، بل يُحكَم عليه. هناك أخطاء تشبه التجاعيد: علامة نضج وخبرة. وهناك أخطاء تشبه العاهة الدائمة: تذكير دائم بأن شيئًا ما تغيّر ولن يعود كما كان. لهذا لا أخاف من الخطأ العادي. أخاف من الخطأ الفادح. الخطأ الذي يغيّر اتجاهك دون قصد، الذي يختصر مسيرتك في موقف واحد. في لهجتنا الشعبية، نملك عبارة تختصر كل هذا الرعب بكسل لغوي مؤلم: (جاب العيد) لا أحد يشرح لك العبارة. هي لا تحتاج شرحًا. تعني أنك لم تخطئ فقط، بل أخطأت بصوت عالٍ، وفي وقت غير مناسب، وأمام جمهور لا ينسى. الغذامي، في فكره، لا يحتفي بالصواب السهل. يرتاب من اليقين المريح. ويرى أن الفكرة التي لم تمرّ بالشك فكرة مستعجلة، وأن الاستعجال عدوّ المعرفة. قرأنا هذا في كتابه (ماذا لو كنت مخطئًا؟) لكن بين الفهم النظري والعيش تحت هذا الاحتمال مسافة ثقيلة. أن تقبل احتمال الخطأ وأنت تقرأ في هدوء، غير أن تقبله وهو منشور باسمك، ومعرّض للتأويل، والاجتزاء، وسوء الفهم. الكتابة ليست مواجهة مع القارئ. هي مواجهة صامتة مع نفسك. مع رغبتك في أن تبدو واثقًا. مع خوفك من أن تظهر مترددًا مع حاجتك القديمة إلى أن تكون (على حق). أخاف من الخطأ الذي يجعلني أدافع أكثر مما أفكّر.. أخاف من اللحظة التي أرفع فيها صوتي لأغطي هشاشة فكرة. أخاف من أن أبرّر بدل أن أراجع. ربما المشكلة ليست في أن نخطئ، بل في أن نكتب وكأن الخطأ غير مسموح لنا. وربما... وهذا ما لا نحب الاعتراف به أن بعض الأخطاء الفادحة لا تأتي من التهور، بل من الحذر الزائد. نخفف الفكرة، نؤجل السؤال، نطمس الجملة، ثم نقول: هذا نضج. وقد لا يكون نضجًا أبدًا، بل تعبا مقنّعا. أما الطريق؟ فما زال هناك. ضيّق، غير مضمون، ولا يقدّم ضمانات. طريق يقول لك بوضوح هادئ: اكتب... فالخطأ قادم لا محالة، لكن الأهم أيّ خطأ وأيّ ثمن.