برزت في الآونة الأخيرة ظاهرة ما يسمى بلغة “عرب إيزي”، التي يتم تداولها وسط شريحة كبيرة من الشباب من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب العربي، وهي خليط بين اللغة العربية والإنجليزية، وتتم كتابتها بالأحرف اللاتينية والأرقام، حيث نجد الحاء يعوضها الرقم 7، والعين يحل مكانها الرقم 3، والهمزة مكانها الرقم 2، ورموز أخرى، مع غياب تام للحرف العربي، وفيما يرى الشباب أنها لغة مستحدثة وعصرية فرضتها حيثيات التقدم التكنولوجي ومتطلباته؛ للتخاطب الكتابي بها في مواقع التواصل الاجتماعي، يؤكد الغيورون على لغة الضاد أنها محاولة لطمس اللغة العربية، وسلخها من قيمتها الأدبية، كلغة للتواصل، وتحويلها إلى لغة بيانات للتيارات المتطرفة. “الشرق” ناقشت ظاهرة “عرب إيزي” مع بعض المهتمين باللغة العربية، الذين قدموا آراءهم الخاصة حول: هل يمكن لهذه اللغة أن تموت؟ وهل يمكن أن تتحول لغة القرآن ولغة الشعر الجميل إلى أدوات حرب سياسية تستعملها جهات متطرفة فقط؟ وكيف يمكن للأجيال القادمة أن تقرأ القرآن؟ وتطرقوا إلى العديد من أوجه هذا الموضوع الشائك وزواياه، في هذا التحقيق: القرآن يحميها يقول الإعلامي، والشاعر اللبناني، سليم مكرز (من الرعيل العتيق لغوياً): “اللغة العربية لن تموت، كيف ستموت هذه اللغة وهي لغة القرآن؟ لقد حماها القرآن في أزمات أكبر من هذه الأزمة التي نعيشها اليوم، وفي أزمات كانت شبه مفرغة من وسائل حمايتها وإبقائها حية، لقد سقطت الأندلس، وبقيت اللغة العربية حية، وسقطت القدس، وبقيت اللغة العربية حية، وتعاقبت علينا استعمارات واستدمارات، ولم تدمر اللغة، وبرز شعراء وكتاب حاولوا سحق وجهها، مثلما فعل سعيد عقل، بنية سيئة أو بغير نية، حين نادى باستعمال الحرف اللاتيني، ورفض أن يكون لبنان بلداً عربياً، بل فينيقياً، وأرى أن الحملة على اللغة العربية تطورت، ولكنها لن تنجح؛ لسبب بسيط وهو أنها أصبحت مرتبطة بالتسويق والاقتصاد، إن أي شركة تريد أن تروج لمنتجاتها، عليها أن تروج لها بإعلان يبث باللغة العربية، ولا أظن أن الإرهاب سيستمر طويلاً باستعمال اللغة العربية في خطاباته؛ لأن الآذان الشبابية أصبحت تسمع خطاباً جديداً ولغات جديدة، وأرى أن التنوع اللغوي سيعطي ضربة قاضية للإرهاب، لكن هذا لا يعني أن نغمض أعيننا ونترك اللغة تحارب؛ فهناك مؤامرة تستهدفها، وهذا ما يجب أن ينتبه له المسلمون. لا تناسب عصرنا ويرى الشاعر، وعازف البيانو، سامي نيال (المقيم في ملبورن)، أن دور اللغة العربية يشهد تراجعاً في تداولها في وقتنا الراهن، وقال: “لسبب بسيط، هو التشبّه بمعالم الغرب، وحضارته، فكثيرمن الشباب في عصرنا هذا يشعرون بأن اللغة لم تعد تلبي متطلباتهم في التعبير، والانتشار في تلبية أفكارهم، وهذا مع الأسف سببه التلوين بحضارة لا تمتّ بصلة إلى واقعنا الذي نعيشه؛ فلكل مجتمع لغته، وأداته في نقل مفاهيمه وأفكاره. ولكن مشكلة هذا الجيل أنه على تماس مع الغرب، ومفاهيمه، وبلاشك أن اللغة العربية غنية، ومليئة بمفردات لا يمكن إيجادها في لغة بديلة، ولكن ما يحدث بعض الأحيان أن تُصاب هذه اللغة بوهن نقل تطلعاتها وأفكارها، وهذا مردّه إلى أسباب عدّة دفعت باللغة العربية للتقوقع على نفسها. مثلاً استخدامنا لكلّ قديم من مفردات موجودة باللغة العربية، يشكّل نفوراً لدى الجيل الجديد، الذي يرى أنّ اللغة يجب أن تتماشى مع عصرها، فلا يمكن مثلاً استخدام ألفاظ من العصر الجاهلي في عصرنا هذا، المشكلة يجب أن تعالج بكثير من الدقة، فلا يمكن فرض اللغة بأساليب مرّ عليها الزمن. ما تحتاجه اللغة أن تُنقل بشفافية مطلقة، لا أن تُعلم بوسائل قديمة لا تمت بصلة لعالمنا الذي نعيشه”. تزداد أهمية وأكد الكاتب العراقي، أستاذ التدريس، جامعة سانت لويس الأمريكية بمدريد، محسن الرملي: إن حال اللغة العربية هو انعكاس لحال الأمة العربية، وقال: “إن اللغة تحتاج إلى مزيد من الوعي والمتابعة والإصلاحات الدائمة، فهي كائن حي، ينمو ويتغير متأثراً بمحيطه وظروفه، فإذا لم تتم رعاية هذا النمو والتغيير، فمن الطبيعي أن يكون عشوائياً وعرضة لما يطرأ، فاللغة العربية لم تتراجع ولن تتراجع، بل على العكس، إنها تزداد أهمية، وعدد الراغبين في تعلمها في تزايد، وهي واحدة من أجمل اللغات وأهمها في العالم، إلا أننا مقصرون في متابعة استخدامها وتعليمها وتحديث الكثير فيها وفي قواعدها؛ كي تتماشى مع العصر بفاعلية، وهي قابلة لذلك، وأمامها فرصة هائلة بما توفره التكنولوجيا والفضائيات وغيرها”. انتعاش الشفاهية وأضاف الكاتب العراقي، أحمد سعداوي، يقول: “لا أعتقد أن هناك تراجعاً للغة العربية، فهي اللغة الرسمية والأساسية المعتمدة في المكاتبات والمراسلات ومناهج التعليم ووسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة في غالبية الدول العربية، وفي كل التجمعات البشرية للعرب خارج المنطقة، كما أن الثقافة والإنتاج الثقافي مازالا يجريان بها، حتى في تلك البلدان التي تحوي تقاليد فرانكفونية أو أنكلوفونية عريقة، كما هي بيروت أو دول المغرب العربي، وهناك انتعاش للشفاهية والمحكية؛ بسبب عصر “الميديا” وهيمنة الإعلام المرئي، ولكنه انتعاش يمثل شكلاً من أشكال التنوع الثقافي والتعبيري، ولا يمكن اعتباره منافساً للغة العربية الفصحى، التي مازالت هي الطاغية والأساسية في وسائل الإعلام المختلفة”. ربكة لغوية يقول الكاتب الجزائري، الأستاذ بجامعة السوربون باريس، واسيني الأعرج:”الأجيال الجديدة كثيرة، وعلاقتها اللغوية مرتبكة، وليست على مسار واحد، لكنها أمام كم جهنمي من الاكتشافات الحضارية، التي سهلت عليها الحياة، بما في ذلك التعامل اللغوي، يدخلون بسهولة إلى العوالم الافتراضية باللغة الإنجليزية، التي بلغت أقصى الحدود، حتى أصبحت سهلة المنال، ويكتشفون بواسطتها ما خفي عنهم في بلدانهم، اللغة العربية لاتزال في غلاف سميك لا تقبل أي تجديد، وأرى أنه لولا مقاومتها الداخلية لماتت من تلقاء نفسها، وتحولت إلى لغة لدفن الموتى فقط، كما كانت اللاتينية. اللغة العربية تحتاج إلى هزة عنيفة؛ لتصبح وسيلة أيضاً للدخول إلى الحضارة”. خلاصة خلص المختصون في مجال اللغة إلى أن اللغة العربية ستعود للحياة بشكل أفضل إن قدمت بحلة جديدة وجميلة للأجيال الجديدة، مع الحفاظ على رونقها القديم، بالتدرج في تعليمها، من السهل نحو الصعب، ثم الأصعب؛ لمواجهة التقدم التكنولوجي للغة الإنجليزية أو غيرها من اللغات الأجنبية للحفاظ على لغتنا، ويمكن دعم قطاعات الترجمة، وإيجاد نوع من التزاوج بين اللغتين. وإحياء اللغة عن طريق الأدب والشعر والمسرح وأنواع الفنون؛ لتتغلغل في ثنايا الحياة العامة، ولعل أهم نقطة لحماية اللغة العربية، هي تعليم القرآن بموازاة إعجازه العلمي وما يحويه من رؤى علمية محضة، تخلصه من كل الشوائب التي لحقت به من جراء التأويل الخاطئ والتفسيرات المحرفة لمعانيه السامية الرفيعة المقام.