التميز، أو سوء الأداء الوظيفي، وما يتخللهما من مستويات متفاوتة في الأداء، يحتاج، لكي يُقاس، إلى وضع وتحديد معايير واضحة، ومتفق عليها بين جهة التقييم والموظف، بحيث يمثل تحقيق الموظف هذه الأهداف بالمواصفات المطلوبة سبباً في حصوله على التقييم الجيد. عدم الاتفاق على معايير التقييم والأهداف هو طريقة، يسلكها بعض الإداريين لمنح أنفسهم الحق في منح الموظف ما يريدون له من نتيجة نهاية كل عام، إيجابية كانت، أم سلبية، وستكون الحجة حين التقييم السيئ، عادة، هي عدم أداء الموظف ما ينبغي منه. ما أعتقده هو أن أحد «مصاديق الظلم» هو هذه العملية المتمثلة في عدم وضع القيادة الإدارية أهدافاً واضحة لموظفيها، ثم الادعاء نهاية العام عدم قيامهم بما يستحقون عليه التقدير والعلاوة. المدير الذي يقوم بذلك، هو بالتأكيد متلاعب، ويصنع بإرادته، أو بعدمها أسوأ بيئة عمل، وأكثرها تذمراً وحنقاً من قِبل الموظفين، ذلك أن أحداً من الموظفين لا يعرف ما ينبغي عليه أن يفعل لكي يحوز على تقييم جيد، وبالنتيجة يتحول العطاء إلى محاباة لمَنْ يأنس بهم المدير بينما يجرِّد هذا المدير الآخرين من ذلك، ليتحول الأمر إلى ما يشبه «الشللية»، التي تعمل لأجل مصالح دائرتها الضيقة فقط. بطبيعة الحال، إن الحديث عن المعايير، أو الأهداف، هو حديث عن أمور يمكن تحقيقها، في هذا السياق ينبغي الإشارة إلى وجود بعض القيادات الإدارية، التي تمارس، بشكل واضح، الظلم ضد الموظفين، ولكن من خلال إيهامهم بأنهم المقصرون فعلاً. هذا الأمر يقومون به من خلال وضع أهداف، أو معايير لا يمكن تحقيقها عادةً، وبالنتيجة حينما لا يستطيع الموظف تحقيق هذه الأهداف، فإنه يصبح متأكداً من أنه بالفعل لا يستحق التقدير، في حين أن مَنْ وضع الأهداف، هو المتلاعب الحقيقي، الذي سعى إلى إيهام الموظفين بأنهم بالفعل لا يستحقون التقدير، وبذلك تملَّص من إلزام نفسه بأي تقييم جيد، وعلاوة متناسبة مع الأداء. الجريمة النفسية، هي عنوان كبير أحد «مصاديقه»، تعمُّد الإيذاء غير الجسدي للإنسان من خلال التأثير النفسي عليه سلباً، وربما دفعه إلى جرائم، أو مخالفات، يُعاقب عليها القانون. ضمن القطاع العمالي هناك نسبة قد لا تكون قليلة من القيادات الإدارية، التي تمارس مستويات عالية من الظلم لموظفيها، تارة من خلال التقييم السيئ، وتارة أخرى من خلال عدم العدالة في التدريب، والتأهيل، أو تقلُّد المناصب الإدارية، وغيرها، كل هذه التصرفات قد تتحول بدرجة ما إلى ما يشبه الجريمة النفسية. الحل كما أراه لهذا الإشكال، هو قيام مكتب العمل بوضع شروط محددة، تمثل أركاناً لنموذج التقييم، بحيث تتضمن أولاً معايير التقييم، وكذا واجبات الموظف بشكل واضح ودقيق، والدورات التدريبية اللازمة لإيصاله إلى المستوى، الذي يمكنه من خلاله أداء هذه المهام بالشكل المطلوب، أما الأهداف، فيُشترط فيها أن تكون قابلة للتحقق. لا أدعي بالتأكيد أن هذا الحل لا يمكن التلاعب به، فالقيادات الفاسدة عادةً ما تكون ذكية، بحيث تستطيع أن تبتكر مسوغات قانونية لظلم الموظفين، ولكن لا يمكن لمكتب العمل أن يتجاهل تماماً هذا الأمر، ويطلق العنان لهم لعمل ما يريدون، لا سيما إذا تعلق ذلك بظلم الموظفين، والإساءة إليهم.