تتلخص القيادة المهنية في نظر لي أيكوكا المسؤول التنفيذي لشركة كرايزلر في أمرين بسيطين هما: توظيف الأشخاص الجيدين، وترتيب الأولويات وقد أصبح هذا المسؤول يتقاضى 75,000 دولار مقابل إلقاء محاضرات تدور حول هذين الأمرين! لكنه لم يصل إلى هذه المرحلة ببساطة وإنما بعد تجربة ناجحة مع شركة كرايزلر أنقذها من الإفلاس رغم أنه فصل قبل ذلك من شركة فورد. في شركة كرايزلر وافق لي ايكوكا على الحصول على راتب سنوي مقداره دولار واحد فقط مع خيارات بالحصول على أسهم منطلقاً من جعل الجميع في مركب واحد، وعن هذه التجربة يقول «إذا كنا جميعاً في التضحية سواء، فسيحرك الموظفون الجبال من أجلك» لم يشر لي ايكوكا إلى أمر ثالث لكونه على ما يبدو من البديهيات وهو توفر الرؤية الواضحة التي على ضوئها توضع الخطط والأهداف وبدونها لن يكون لاختيار الأشخاص الجيدين أو ترتيب الأولويات أي معنى. عندما تتوفر الرؤية تبدأ العملية الادارية بالتخطيط والتنفيذ والمتابعة والتطوير في إطار من ثقافة تنظيمية موحدة. وما شدني في رأي لي ايكوكا إشارته إلى التضحية، والمساواة مع الموظفين الذين يستجيبون لذلك بتقديم أفضل ما لديهم. هنا درس إداري للجميع في أي موقع إداري في أي ميدان وهو أن انفراد المدير بالمميزات والخدمات دون البقية قد يؤدي في أغلب الأحيان إلى ضعف الشعور بالانتماء ثم ضعف العطاء، ثم البحث عن ممرات غير نظامية لتحقيق مكاسب فردية. وإذا نظرنا في مسألة اختيار الأشخاص (الكفاءات) فإنها لا تكون مجدية إلا إذا اعتمدت على أسس و معايير مهنية وما تعاني منه الادارة العربية بوجه عام هو عدم القدرة على تطبيق المعايير المهنية أمام سطوة العلاقات الاجتماعية لدرجة جعلت بعض المؤسسات تتحول إلى ما يشبه الأسرة أو الشلة التي يصعب اختراقها. إن غياب المعايير المهنية في اختيار الموظفين يؤدي إلى إسناد المسؤوليات إلى غير المختصين، وإلى المجاملة في المتابعة والتقييم، وإلى خلل داخل التنظيم من أعراضه النزاعات والاتكالية، والمحسوبية، والأنانية، والازدواجية وغير ذلك من الأعراض الناتجة عن غياب العمل المؤسسي. الأمر الآخر بعد اختيار الأشخاص الذي أشار إليه لي ايكوكا هو ترتيب الأولويات وهذه معضلة أخرى، ومشكلة قديمة جديدة في ساحة الإدارة العربية بدليل أن المشكلات تتكرر لسنوات دون حل مما يعني عدم برمجتها في جدول الأولويات وتوزيع الجهود في وقت واحد على موضوعات متفرقة والخروج في النهاية بسبب عدم التركيز بدون إنجاز حقيقي، بل إن الأمر قد يصل في السوء الى درجة الاكتفاء بالعمل الإداري القائم على ردود الأفعال وليس على الفعل، والنتيجة غياب المبادرات والإقدام على حل المشكلات أو طرح الأفكار الخلاقة التي توجد الحلول الجذرية، والرؤى المستقبلية، واستمرار الأداء الروتيني التقليدي غير المقنن. إن من المنطقي والواقعي القول إن الادارة هي سر نجاح أو فشل أي عمل، وهذه حقيقة ليست جديدة ولكن من المهم التذكير بها وتسليط الضوء عليها من قبل الجامعات والمعاهد المتخصصة ذلك أن معظم مشكلاتنا العربية تعود بالدرجة الأولى إلى الإدارة بشكل عام والجانب القيادي بشكل خاص. [email protected]