قد لا أكون متجاوزاً للحقيقة، والمنطق، والرأي السديد، إذا وصفتُ أداء بعض الوزارات والأجهزة الحكومية، التنموية والخدمية، بالضعف العام، والعشوائية والتَّخبط في الرؤية والممارسة، وعدم الشفافية والمهنية في الأداء. وهذا بالقطع لا يخدم أهداف وسياسات برامج التنمية المستدامة، والرعاية الاجتماعية، التي تحتاج إلى أدوات وإدارات فاعلة، لإحداث تطبيقات ناجحة، وحتى مبهرة، لمحتواها وبنودها، تُخرجنا من مصيدة: البيروقراطية الخانقة، والفساد الإداري والمالي بدرجاته المتفاوتة، واستمرار حالة التبديد النسبي للموارد المتاحة، وتحميل خزينة الدولة المزيد من النفقات في غير محلها، ودون وجهتها المستهدفة. في الآونة الأخيرة، أو بالأحرى في السنوات القليلة الماضية، وأمام غياب مراكز لقياس الأداء الحكومي - التي تتيح تصحيح مسارات أجهزتها وهيئاتها العاملة، إذا اختلَّ أداؤها، واضطربت أحوالها، وتعثرت خطواتها - وجد الناس في بعض المنابر والبرامج الإعلامية، وفي قنوات الإعلام الجديد بصيص أمل يُحرك المياه الراكدة، ويُبعثر أوراق وخطط الوزارات النائمة، والقيادات المُتحجرة والواهنة، ويتتبع مواطن الخلل والفساد في بُنيتها التحتية والعلوية، ويكشف أزماتها الطارئة والمزمنة. بكل التقدير والاحترام تفاعلت هذه المنابر والبرامج، وبمهنية وموضوعية عالية، مع قضايا وهموم المواطنين والوطن على امتداد مناطقه ومحافظاته، وأنشأت خلال الزمن ما يمكن تسميته بقاعدة بيانات مفتوحة تضم بين دفتيها آلاف القضايا والهموم المجتمعية، وتواصلت في هذا السياق مع أصحاب القضايا والمسؤولين معاً. وكان هدفها الأساس كشف: أسباب ضعف أداء بعض الوزارات والأجهزة الحكومية، أو فساد السياسات القائمة، التي تحول دون تقديم منتجات وخدمات عالية الجودة، بما يعود بالرفاهية الاقتصادية والاجتماعية على عموم أفراد المجتمع. كما بادرت في الوقت نفسه بإحاطة الرأي العام بالخلفية النظامية والحقوقية لكل القضايا المطروحة، وتحميل المسؤولية الكاملة لمن يقف أمام استمرارها لفترات زمنية طويلة نسبياً دون معالجة، ولمن لا يقوم كذلك بأداء المهام والوظائف المناطة به على الوجه الأكمل، ويخالف تعليمات وتوجيهات القيادة العليا الداعية بكل وضوحٍ وإصرار إلى احترام حقوق المواطن المكفولة له شرعاً ودستوراً. نجحت هذه المنابر والبرامج الإعلامية، وقنوات الإعلام الجديد، بفضل الزخم الجماهيري الكبير - الذي تفاعل مع أهدافها النبيلة، وأمدَّها بتفاصيل القضايا والهموم المجتمعية المُعلقة - في فرض أداة قياس معتبرة ترصد اتجاهات الرأي العام ودرجة رضاه أو سخطه عن أداء وزارات بعينها، أو حتى المنظومة الإدارية والخدمية للقطاعات الحكومية برُمتها. كما نجحت كذلك في تسليط الأضواء والاهتمام على مطالب تيار مجتمعي واسع ساخط ومُحبط من أداء هذه الوزارات، وبُعدها عن هموم الناس واحتياجاتهم، وقضاياهم المعيشية، التي تطرأ خلال الزمن، وفي مقدمتها قضايا: البطالة، والصحة، والتعليم، والإسكان، والنقل العام، ونظام التقاعد، والرواتب المتدنية لبعض موظفي الدولة، وارتفاع مستويات الأسعار، والقروض التي أنهكت المواطنين بفعل جشع المصارف وجهات الإقراض الأخرى، التي تستغل ظروفهم واحتياجاتهم المعيشية. إضافة إلى مشكلات الفقر على وجه العموم. سهام النقد والسخط والإحباط طالت العديد من الوزارات الخدمية والتنموية، وفي مقدمتها وزارة الصحة، فقد احتلت الرقم (1) في سلم درجات السخط وعدم الرضا عن أداء منظومتها الخدمية. تليها وزارات أخرى، وبدرجات سخط متفاوتة في الحِدّة، منها وزارات: الشؤون الاجتماعية، التربية والتعليم، الخدمة المدنية، العمل، المالية، التجارة والصناعة، الإسكان، النقل، والمؤسسة العامة للتقاعد.. في تقديري أنَّ صوت المواطن، ورؤيته في أداء هذه الوزارات ينبغي أن يأخذ طريقه نحو عقل وقلب القيادة العليا، وهذا الأمر مؤكدٌ إن شاء الله، فمن أتاح الأجواء، وهامش الحرية والتعبير لمثل هذه المنابر والبرامج الإعلامية الجماهيرية لابد أن يكون صداها حاضراً في فكره ورؤيته عند اتخاذ القرارات والسياسات في الحاضر والمستقبل، لجهة تطوير بيئة العمل، وتحسين إجراءاتها ومخرجاتها، وإغلاق كل الأبواب والنوافذ التي تمد لوبي المصالح والمنافع الضيقة بالأوكسجين وترياق الحياة بما يخدم في المُحصلة النهائية مصالح السواد الأعظم من أفراد المجتمع. كلمة أخيرة:حين يوجه خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - تعليمات وتوجيهات دقيقة لكل المسؤولين، بضرورة العمل والاجتهاد لتحقيق مصالح واحتياجات الناس، قائلاً (مكاتبكم لا تحطون عليها بواب ولا تسكرونها أمام الشعب لأنكم أنتم كلكم ونحن خدام لهذا الشعب ولهذا الوطن، خدام قبل كل شيء لديننا الذي لا نزيح عنه إن شاء الله..). فنحن إذاً أمام معادلة غير متوازنة على الإطلاق، طموح قيادة، في مقابل ضعف أداء أجهزة حكومية خدمية، يغذيه: سلوكيات انتهازية ولعبة مصالح ومنافع ضيقة. حكمة: الضميرُ المطمئنُ خيرُ وسادة للراحة