ينتبه الحاج "عمران" للوقت الذي فاته !! تركه على رصيف الدنيا، منشغلا بها، غائصا لأذنيه في مشاكلها... يتذكر في لحظته، انه يمكن من سنين طويلة لم يزر أهله، في مدفنهم القديم بالمجاورين!! يتساءل الحاج "عمران" ويبكت نفسه: يا ترى المدفن في الصون ؟... ولا جرت عليه عوادي الزمن ؟!... أيام لا تعرف الأمان!! يشعر بحزن، ويلوم نفسه علي انقطاعه عن زيارة أهله الراحلين. استمر بعد رحيل أمه وأبيه علي زيارتهما هناك، في المجاورين، بمقابر المماليك، تحت سفح القلعة، يذهب إليهما عبر السنين كل خميس، يفرق على أرواحهم الطيبات... يخترق الأزقة الضيقة، ويرى زوار الغابرين جالسين في المكان يرتلون قصارى السور، ويستعيدون ذكريات من رحلوا. لا يعرف الحاج "عمران" لماذا تنشغل روحه تلك الأيام بسيرة الموت ؟... يدرك شوقه لأبيه فيما تأتيه سيرة الموت من أعماق بعيدة !!... تأتي بطيئة مثل حفنة من ماء تخرج من نبع صغير... يتساءل بوجل، وبإحساس شفاف دائما ما يغزو روحه : حانت الساعة... صبر جميل.. لعل في العمر بقية!!... والأعمار بيد الله. تذكر أنه كان يقود غلامه حاملا رحمة الخميس...الفطير والكعك، وبعض الحلوى،، ويستدعي من الجوار مقرئاً من العميان، ليجلس في حضن المقبرة يرتل بصوت حسن "أينما تكونوا يدرككم الموت". يشعر الحاج "عمران" في روحه بنسغ من حزن شفيف يسطع مع آخر دائرة للضوء الغابر... يردد بين نفسه كلاما كان قد قرأه من قديم ومازال متشبثا بذاكرته وكأنه قرأه بالأمس "دعونا نواجه الأيام... ان اللحظة التي أتحدث منها بعيدة عني الآن... ان حاضري، أو ما كان حاضري أصبح الآن ماضيا". توقظ القراءة الحنين في روحه، ويشعر أن زيارة أهله وقراءة القرآن على أرواحهم عزاء لروحه هو. تتواصل لحظات ذكراه، وتتجسد أيامه في الدنيا توصله بأيام أبيه وأمه، والذاكرة هنا صفحات مسطورة ضد النسيان. أيقظه الصوت من سرحانه: -تفضل يا حاج. آفاق الرجل على صوت جاره. - مالك ؟!... سرحان وتايه ؟ ! - أبدا... ربك والحق حاسس بتقصير شديد نحو شيء. - اخلص منه واعمله وريح ضميرك. - بكره إنشاء ربك أعمله. بكره الخميس، موعد زيارة الراحلين، هو وغلامه يمضيان ناحية دار البقاء... كان قد صلى العصر في الحسين، وتوجه ناحية دار البقاء... اخترقها من عند الأزهر، ومضى يقطع الأزقة الضيقة... أضرحة لبشوات وأغنياء القوم... ومساجد قديمة بقباب ومآذن سامقة على أضرحة جبابرة بادوا، وبادت عروشهم يستكنون في حضن أبديه جعلها الله مأوى لكل الخلائق... مدافن مشرعة الأبواب يقيم بها الأحياء والموتى وهذا من غرائب الأمور. يصل مقبرتهم الكائنة هناك، بين سبيل الماء، وضريح سيدنا الشيخ "البديع" بنقوشه، وحديقته المزهرة بالياسمين بالصيف، وبالشتاء، وصوت القراءة لا ينقطع من حوشه المكسي بالقيشاني الملون، وزخارف الآيات. حين وصل مقبرتهم، ووضع المفتاح في فتحته لم ينفتح الباب... دفعه فلم يستجب... نادى بعالي الصوت على الحارس فذهب النداء بعيدا، ولا من مجيب... عاد ودفع باب الحوش فلم ينفرج... ناوشه القلق مثل وخزة ابرة... شغله ما يدور من حكايات تحدث هنا وهناك كل يوم... بعزمه دفع باب الحوش بكتفه فانفتح محدثا ذلك الصرير الذي يشبه العويل... دخل حيث ساحة الحوش... راعه ما رأى رأي العين. كانت امرأة في منتصف العمر تجلس بجوار جدار المدفن الداخلي تشد من شماله إلي جنوبه حبلا، منشورا عليه بعض الثياب القديمة المهترئة، كانت تحني رأسها في مذلة، خائفة وتسح دموع العين من عينها، في انكسار كأنه الوجع، فيما أربعة أطفال مثل جراء صغيرة تبحث عن لبن أمها، يدورن حولها بثياب بالية، يعوي شكلهم باستعطاف الدنيا – كل الدنيا بنظرة من عين، أو بحسنة لوجهه الكريم... كانت الحالة مزرية : لا مأوى ولا مال، والله عليم بعباده. حدقهم الحاج "عمران" باستغراب، تكسو وجهه دهشة وغير تصديق، مأخوذا، ومستمرا في تأملهم...سألهم: أنتوا مين ؟ ! ردت المرأة بهوان : - علمك بحالنا يغنيك عن سؤالنا : أدرك أنهم من هؤلاء الذين يعيشون علي الستر، يخوضون وجه المدينة بلا سند... في اللحظة أدرك حقيقتهم فنادى على غلامه وأمره أن يضع أمامهم رحمة الخميس، ثم غادر المدفن تاركا كل شيء على حاله.