في جميع ميزانيات الدولة السابقة والحالية هناك اهتمام واضح بالإنسان السعودي، وهناك عناية خاصة به ورغبة أكيدة في توفير سبل العيش الكريم له، ولعلّ أرقام الميزانيات لوطننا العزيز تُشير بشكل واضح لا يقبل التفسير أو التأويل حقيقة ما أشرت إليه. ولعلّ من أبرز الأمثلة والشواهد على ما أقول ميزانية الخير والعطاء التي اعتمدها والد الجميع أدام الله عليه الصحة والعافية لهذا العام والتي تُعد أضخم ميزانية عرفها تاريخ الوطن، مما يشير إلى الاستثمار الأمثل لخيرات الوطن والتوزيع العادل لهذا الخير لما يخدم الإنسان. ولعلّ من الإشكاليات التي يواجهها الدارسون والمراقبون للرأي العام "على الرغم من أنّ وطننا لا يقيس الرأي العام المحلي على الرغم من أهميته" أنّ ارتفاع الصرف على الوطن والمواطن يقابله في بعض الأحيان ارتفاع في عدم الرضا لدى شرائح غير قليلة من المجتمع!! وهي إشكالية وطنية من المهم جداً دراستها والتعاطي معها بشكل دقيق ومنهجي، ويمكن - في نظري على الأقل – تعديل هذه الحالة من خلال قياس أداء القطاعات الحكومية الخدمية المرتبطة بالإنسان مباشرة ومعرفة مدى حسن تدبيرها لتلك الأموال الضخمة التي يتم تخصيصها لها.. وفي اعتقادي أنّ من أهم القطاعات الحكومية التي يجدر قياس أدائها المباشر للإنسان السعودي تتمثل في وزارة الصحة ووزارة الإسكان الجديدة، حيث أعتقد أنّ تعاطيها مع ما يتم تخصيصه لها من خير لا يتناسب مع تطلعات المواطن في كثير من الأحيان، ومن هنا فإنني أعتقد جازماً أنّ تخصيص الخدمات الصحية (وهو أمر طرحته أكثر من مرة في هذه الصحيفة ومن خلال الإعلام المرئي ) يُعد أحد أبرز عوامل المعالجة، فنظرة سريعة إلى عدد سكان الوطن من السعوديين – حسب الإحصاءات الأخيرة لمصلحة الإحصاءات العامة – يشير إلى أنهم يقتربون من العشرين مليون نسمة، وعند النظر إلى أنّ ما لا يقل عن مليون سعودي يعملون في القطاع الخاص أو الخيري، ويحصلون على تأمين طبي يمكنهم من الاستفادة من القطاع الصحي الخاص وليس الحكومي، وبالنظر أيضاً إلى حجم ما خُصص لوزارة الصحة من مبالغ ضخمة في الميزانية لو تمت قسمتها على عدد السكان الذي يمكن أن يستفيد من الخدمات الصحية الحكومية لأظهر الرقم مفاجأة غير منطقية!! مع أنّ عدداً غير قليل من سكان هذا الوطن لا يتعالجون في القطاع الصحي الحكومي إلاّ قليلاً، إما بسبب عدم قناعتهم بجودة أداء القطاع الحكومي الصحي، أو لعدم تمكنهم من الحصول على الخدمة بشكل سهل ويسير، الأمر الذي يجعلهم يتوجهون مباشرة إلى القطاع الصحي الخاص من خلال دفع تكاليف العلاج من قبلهم، ومن هنا فإنّ عملية تخصيص القطاع الصحي في عدد كبير من جوانبه مع منح بطاقات تأمينية للمواطنين سيساهم في تنشيط القطاع الخاص الصحي أولاً كما سيساهم في تمكين المواطن من العلاج في المستشفيات والمراكز الصحية التي يرغبها، أو تلك التي يمكنه الاستفادة منها، وبهذا تكون مسؤولية وزارة الصحة منحصرة في صرف بطاقات التأمين الطبي للمواطنين، ومراقبة أداء القطاع الصحي الخاص بدقة وعناية وتولي مهمة توفير الخدمات الصحية المتخصصة فقط من خلال مستشفيات حكومية متخصصة ضخمة يتم توزيعها في مناطق المملكة المختلفة. وعند النظر إلى ما خُصص لوزارة الإسكان أيضاً من مبالغ ضخمة تم تخصيصها عند التأسيس وكذلك في ميزانية هذا العام، ومع توقعات منتجات هذه الوزارة وما قد تحدثه عملية تشييد تجمعات سكنية لذوي الدخل المحدود والفقراء والتي يمكن أن تكون في نظري مجالاً لكثير من الإشكالات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية أيضاً. فإنني أعتقد أنّ صرف تلك المبالغ الضخمة لصندوق التنمية العقاري مباشرة مع رفع القرض إلى ما لا يقل عن مليون ريال في القرى والمدن الصغيرة ومليون وخمسمائة ألف في المدن الكبرى سيساهم في معالجة إشكالية الإسكان التي نواجهها، كما سيساهم في انصهار كافة أفراد المجتمع مع بعضهم البعض دون العمل على تجميع فئات معينة في مواقع محددة تحدث آثاراً سلبية. أعلم أنّ مثل هذا الطرح قد يكون غير مقبول لدى البعض، وربما ينظر إليه آخرون على أنّه غير منطقي، لكنني أجزم أنّ تجارب الوطن السابقة في عمليات التخصيص لعدد من القطاعات الحكومية وتجربة صندوق التنمية العقارية في مراحله السابقة وما حققه من نقلات نوعية وكمية في التنمية المجتمعية الوطنية كفيل بأن يعاضد هذا الطرح الذي أنادي به.. فهل تدرس قطاعات الوطن المعنية وخاصة المجلس الاقتصادي الأعلى الذي أتصور أنّ من المهم أن يدخل ضمن مسماه وأهدافه الجانب الاجتماعي، بحيث يكون المجلس الاقتصادي الاجتماعي الأعلى، مثل هذه المقترحات.. وهل نحن في وطننا نعمل على قياس الرأي العام المحلي وقياس الأداء ومعرفة نتائج ما نعمل "كوطن" على تحقيقه للمواطن.. أتمنى أن نسعى لذلك.. والرأي لكم..ودمتم.