من محاسن بذل الوسع أن من سعى في شيء محمود شرعًا وعرفًا فبذل فيه وسعه، ثم لم يثمر سعيه الثمرة المطلوبة، فبذله وسعيه يبرئ ذمته بينه وبين ربّه إذا أخلص النية، وكذلك يرتاح باذل الوسع في الإحسان والبرّ ومدّ أسباب الصلة بينه وبين الآخرين، ثم لم يشكروه، فهذه ليست مشكلته، بل المشكلة فيمن تلقّى الإحسان، ولم يقع عنده الموقع اللائق به، أما الباذل فقد أدّى ما عليه.. لا يخلو الإنسان من حاجة ماسّة إلى بذل الجهود فيما يعود عليه وعلى الآخرين بالمنافع العاجلة والآجلة، وليس كل الناس على مستوى واحد في الاستطاعة المادية والاستعداد النفسي للبذل، ومهما كانت قدرته واستعداده فلهما حدود تنتهيان إليها، واحترام هذه الحدود من متطلّبات النجاح واستمرار العطاء، كما تدلّ عليه أدلة الشرع، ويشهد له العقل السليم؛ فإنّ تخطّي حدود الوسع لا يكون إلا بتحميل النفس ما يعسر عليها، وهذا قد يتعاطاه الإنسان لفترة محدودة يسودها التكلّف والخروج عن السجيّة، لكن مهما حاول تطويل هذه الفترة فقد يؤول أمره إلى الاسترخاء والانقطاع، لا سيما في العبادات؛ فإنها ميسورة، ومن غلا في شيء منها وتجاوز به حدود المشروع غلب على رشده، كما يدلّ عليه حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن الدّين يسر، ولن يشادّ الدّين أحد إلا غلبه، فسدّدوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والرّوحة وشيء من الدّلجة»، أخرجه البخاري، وقد جاء الإسلام بمعيار شامل، وهو بذل الوسع، فقال تعالى: (لا يكلّف الله نفساً إلا وسعها)، فمن كان باذلاً لما يجب عليه وما يستحبّ له بذله، وجعل مراعاة الوسع قاعدةً يؤسّس عليها أموره الدينية والدنيوية فقد استمسك من الرشاد بالعروة الوثقى، ولي مع بذل الوسع وقفات: الأولى: الوسع المأمور ببذله في العبادات له طرفان: أدنى وهو ما تلجئ إليه الضرورة، وتتحقق فيه الرخص، ويكون في تخفيف أعباء بعض العبادات على من لم يسعه تحمّلها أو يشقّ عليه، كالترخيص للمريض والمسافر في فطر رمضان مع القضاء، والترخيص للعاجز في الإطعام بدلاً من الصيام ونحو ذلك، كما يحصل في تخفيف قيود المحظورات على المضطر بحيث يسعه أن يتعاطى في حال الاضطرار ما حظر عليه في حالة السعة، أما الطرف الأعلى لبذل الوسع في العبادات فهو بذل القدر الممكن الذي ليس بعده إلا الغلو والتنطع، وهذا مضبوط في التعبديّات بضوابط التسنّن ونبذ البدعة، فعن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ»، متفق عليه، فليس للإنسان أن يزيد على المشروع في العبادة المحدودة بحدّ، وإن كان ذلك لا يرهقه، فلا يقول: بوسعي أن أفعل أصعب من المشروع، فالمطلوب بذل الوسع داخل دائرة المشروعية والسنّة لا خارجهما، كما يدلّ عليه حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، أنّ نفرًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السّر؟ فقال بعضهم: لا أتزوّج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فحمد الله وأثنى عليه. فقال: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي»، متفق عليه. الثانية: الوسع المأمور ببذله في الإنفاق متفاوت بحسب أحوال الباذل في مقدرته المالية، وقد قال الله تعالى في معرض تقننين البذل الواجب (لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق ممّا آتاه الله لا يكلّف الله نفساً إلا ما آتاها)، وكذلك تراعى فيه حالة الإنسان الاجتماعية، وبيئته الخاصة به، فمن قواعد الشرع اعتبار الأعراف والعادات، ومعلوم تباين أعراف الناس وعاداتهم في البذل ومقداره ومجالاته، ولا يكلّف الإنسان شيئاً فوق مستواه، وهذا من سماحة هذا الدين، وصلاحيته لكل زمان ومكان، وشمول الخطاب به لجميع الناس، وإبعاده عن الإفراط والتفريط وتربيته للناس على الوسطية المحمودة، فعدم البذل شحّ مذموم وتقتير على النفس والأهل، وصاحبه لا يزال ترمقه العيون بنظرات الاستهجان، وبالمقابل فالإسراف تهوّر شنيع واستخفاف بالنّعم، ولا ينجو صاحبه من أن تلاحقه الحسرات حين لا ينفعه الندم، وفات أوان الاستدراك، قال تعالى: (ولا تجعل يدك مغلولةً إلى عنقك ولا تبسطها كلّ البسط فتقعد ملوماً محسوراً). الثالثة: من محاسن بذل الوسع أن من سعى في شيء محمود شرعاً وعرفاً من رزق وعلم ونحو ذلك، فبذل فيه وسعه، ثم لم يثمر سعيه الثمرة المطلوبة، فبذله وسعيه يبرئ ذمته فيما بينه وبين ربّه إذا أخلص النية، ويريح ضميره، فلا يستشعر أنه مقصّر، كما قال القائل: وعليّ أن أسعى وأطلب مكسباً والرّزق ما قسم الإله وما قضى وكذلك يرتاح باذل الوسع في الإحسان والبرّ ومدّ أسباب الصلة بينه وبين الآخرين، ثم لم يشكروه، فهذه ليست مشكلته، بل المشكلة فيمن تلقّى الإحسان، ولم يقع عنده الموقع اللائق به، أما الباذل فقد أدّى ما عليه، وصدق من قال: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والنّاس