تأسرني أخلاق كبار السن من الفضلاء، أولئك الذين صقلتهم الفطرة السليمة والدين القويم، هم أهل الوفاء والحب والجيرة، يفيضون خيراً على الأقرباء والغرباء على حد سواء، ويميزهم صدق الحديث، وأمانة التعامل، وكرم يبذلونه بسخاء وطيب خاطر. مجالس الذكر والتربية: عندما أجلس لحظات -وإن كانت قليلة- مع الوالدة -حفظها الله-، وهي تتحدث بعفوية عن الصفات الكريمة، وعن النبل وصلة الرحم، أشعر بعمق الفجوة بين جيلين. هي لا تكتفي بالتوجيه، بل تلوم بحرقة من تراه من أبنائها أو بناتها أو أحفادها أو حفيداتها عندما يغلب عليهم الجفاء، أو يغيب عنهم واجب السؤال عن الأقارب وتفقد أحوالهم. أخلاقٌ جُبلوا عليها: هؤلاء العظماء لم يتصنعوا هذه الأخلاق تصنعاً، بل هي إرثٌ أصيل وجدوه في آبائهم وأمهاتهم وأجدادهم. لقد جبلوا على هذه القيم حتى أصبحت جزءاً لا يتجزأ من هويتهم اليومية. سؤال يطرح نفسه: لماذا انقطع الحبل؟ هنا نقف أمام تساؤل مؤلم: لماذا لا نورث هذه العادات الطيبة لأبنائنا وبناتنا؟ * هل نحن في زمن "اختلاط الحابل بالنابل"؟ * أم هو الغزو الفكري الذي تسلل إلينا عبر قنوات التواصل الحديثة؟ * أم هي هذه الأجهزة التي أبعدتنا عن واقعنا، واستبدلت ثقافتنا الإسلامية الأصيلة بثقافات دخيلة لا تشبهنا؟ في الماضي، كانت القيم تُستمد من المحيط المباشر (الأسرة، الحي). اليوم، يستمد الشاب أو الشابة قِيَمه من شاشة صغيرة تربطه بالعالم أجمع، مما يخلق تضارباً مع الموروث المحلي. وبدون القيم الثابتة تصبح الحياة المتسارعة فارغة، بلا هوية، وتؤدي إلى شعور حاد بالاغتراب والقلق الدائم. ختامًا.. حفظ الله الوالدة وأدام عليها ثوب الصحة والعافية، وأتمنى حقاً أن ينهل أحفادها من نبعها الصافي، وأن تُغرس فيهم تلك السمات والصفات التي تميزت بها، لتبقى ذكراها وأخلاقها حية في الأجيال القادمة، وكل الأمهات والآباء يجب أن تؤخذ منهم هذه الصفات الحميدة.