عندما يُذكر الشيخ صالح الحصين -رحمه الله-، يُذكر الزهد في الدنيا في عصر يندر فيه الزهاد، وإذا ذُكر إنكار الذات يكون شخصيتنا أول هؤلاء بل رائدهم وإمامهم وعميدهم، فهو شخصية يتعجب الإنسان أمامها ويقف عندها متأملاً في أخلاقها وصفاتها، فالذي لم يلتقِ بشخصيتنا ويسمع مواقفه وحكاياته في البعد عن زخارف الدنيا ومتعها، فقد ينسب هذه الأمور بالمبالغة ونسج الخيال ولكن هذه هي حقيقة شخصيتنا. وبرز الشيخ صالح بن عبدالرحمن بن عبدالعزيز الحصين كرمز للعلم المتواضع والزهد الأصيل، رحل عن عالمنا في عام 1434ه/2013م، تاركاً إرثاً يجمع بين الفقه الشرعي، والاقتصاد الإسلامي، والحوار الوطني، والعمل الخيري، فلم يكن الشيخ مجرد عالم ديني، بل كان مفكراً موسوعياً تنقل بثبات بين العلم الشرعي والقانون الحديث، وظل وفياً لوطنه وقيمه الأصيلة. ولد الشيخ صالح الحصين -رحمه الله- في محافظة شقراء بمنطقة نجد عام 1351ه، وكان والده عبدالرحمن الحصين من أعيان المنطقة، اشتهر بالعمل في محاكم المدينةالمنورة لاحقاً، مما غرس في ابنه حب العدل والفقه، وقد انتقل شخصيتنا في سن مبكرة إلى دار التوحيد بالطائف، حيث مكث من عام 1366ه إلى 1370ه، واستفاد جُل الفائدة من أساتذة وعلماء دار التوحيد في علم اللغة العربية والشريعة، وهناك تعلم أصول الدين. وسطية وتسامح وذكر الشيخ صالح الحصين -رحمه الله- في مقدمة كتابه (الأعمال الكاملة) أنه تلقى العلم من إمامين في المسجد الحرام هما الشيخ عبدالرحمن بن حسن خيري -حنفي المذهب، مولود في الحجاز- والشيخ محمد بن علي -مالكي المذهب، مولود في نيجيريا-، وهذا التنوع في المذاهب غرس في شخصيتنا روح الوسطية والتسامح، بعيداً عن التعصب، كما درس شخصيتنا في الأزهر بالقاهرة، حيث حصل على درجة الماجستير في الدراسات القانونية عام 1380ه، وأتقن اللغة الإنجليزية والفرنسية، وكان أول سعودي يتولى منصباً وزارياً في سن 28 عاماً، مما يعكس عبقريته المبكرة، ولقد حفظ القرآن الكريم على يد الشيخ إسحاق كردي، ودرس في حلقات المسجد النبوي، مما شكل شخصيته كعالم زاهد يجمع بين العلم الشرعي والمعرفة الحديثة، وفي سيرته، يروي كيف درس على يد الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ لمدة عامين في اللغة العربية، وقد ألقى دروساً أسبوعية في الحرم، رافضاً تسجيلها إلاّ بإصرار الطلاب، ليحافظ على خصوصية العلم. فقه وقانون وبدأ الشيخ صالح الحصين -رحمه الله- حياته العملية بالتدريس، ثم أصبح مستشاراً قانونياً في وزارة المالية من 1380ه إلى 1391ه، وفي عام 1390ه عُين رئيساً لهيئة التأديب، ثم وزيراً للدولة وعضواً في مجلس الوزراء ومن 1391ه إلى 1394ه، وقد شارك في وضع أنظمة الدولة مثل نظام الحكم والشورى، وكان عضواً في هيئة الخبراء بمجلس الوزراء، أحيل إلى التقاعد عام 1395ه وبعد 30 عاماً تقريباً، وفي 1420ه عاد ليكون رئيساً عاماً لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي بمرتبة وزير، حيث طور الخدمات وأشرف على الحج والعمرة بكفاءة، كذلك كان عضواً في المجلس الأعلى للدعوة والإرشاد، ومجالس خمس جامعات سعودية، ورئيساً لمركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، حيث أسس حواراً بين المذاهب لتعزيز الوحدة وكان عضواً في هيئة كبار العلماء، وكان خبيراً بالأنظمة القانونية، جمعاً بين الفقه والقانون الحديث، وقد روى عنه أنه رفض سيارة رسمية، مستخدماً سيارات الأجرة، وسكن في حارة شعبية بمكة، ماشياً يومياً إلى الحرم عبر طرق وعرة، مما يعكس زهده. أسلوب أدبي وألّف الشيخ صالح الحصين -رحمه الله- عدة كتب تعكس فكره الوسطي، أبرزها (نكران الذات في الجزيرة الإسلامية)، الذي يروي سيرته بأسلوب أدبي رفيع، يصف تعلمه من علماء مذاهب مختلفة، وخدمته دون مقابل، ويؤكد فيه على التواضع، قائلاً: "الزهد هو ترك ما لا يعنيك"، ومن مؤلفاته الأخرى: (الأقليات المسلمة في مواجهة فوبيا الإسلام)، (التسامح والعدوانية بين الإسلام والغرب)، (رؤى تأصيلية في طريق الحرية)، وكتبه هذه تركز على الوسطية، وتصحيح صورة الإسلام، والحوار بين الثقافات، وفي فتاواه، كان يدعو للوسطية، محذراً من الغلو، ومؤكداً على الولاء للوطن كجزء من الدين، وكان يدعو يومياً للملوك في صلاته، حيث كان فكره يجمع بين الشريعة والواقع، كما في إسهامه في الأنظمة القانونية مثل نظام القضاء والشركات. جائزة الملك فيصل وحصل الشيخ صالح الحصين -رحمه الله- على جائزة الملك فيصل العالمية في خدمة الإسلام عام 1426ه مناصفة مع الشيخ يوسف الحجي، تقديراً لدوره في الدعوة والبر، وقد مُنِح الحصين الجائزة لدوره في إبراز صورة الإسلام الصّحيحة، وإسهامه الفكري في تصحيح مسَار المصَارف الإسلاميَّة بما يوافق أحكام الشريعة ويوائم التطور في ميدان الاقتصاد، ومشاركته في تأسيس عدد من المؤسَّسَات الخيرية وإدارتها، وضربه مثلًا أعلى في تعامل المسلم؛ تواضعًا وكرم خُلُق، وقام شخصيتنا بدور بارز في مجال الدعوة الإسلامية ليس من خلال دعوته إلى التمسك بالتعاليم الإسلامية القائمة على الحق والعدل والمساواة فحسب، ولكن أيضًا من خلال دعوته للوسطية في الإسلام والتعايش بين المسلمين وغيرهم. زُهد وتواضع وكان الشيخ صالح الحصين -رحمه الله- من القائمين على أعمال البر، فقد شارك في تأسيس عدد من المؤسسات الخيرية الإنسانية وإدارتها، منها جمعية المدينةالمنورة للخدمات الاجتماعية التي ابتكرت برامج للخدمة الاجتماعية واحتذت بها الجمعيات الأخرى، وكذلك مؤسسة المستودع الخيري بالمدينةالمنورة التي نجحت في تقديم مختلف أنواع الخدمات الاجتماعية والإعانات الأسرية للمحتاجين، إضافةً إلى الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية التي عُرفت بنشاطها الكبير في مجال العمل الإنساني العالمي دون تمييز بين المحتاجين بسبب العرق أو الدين أو الموطن. وفي مجال الفكر، فقد ظلَّ الحصين يسهم بنشاط في مجال "المصرفية الإسلامية"؛ وذلك من خلال كتابة المقالات وعقد الندوات وإلقاء المحاضرات في محاولة لتصحيح مسار المصارف الإسلامية، ومقاومة انحرافها عن وظيفتها المميزة؛ كما سعى إلى تحقيق المبادئ القرآنية للتعامل في المال بأن يكون قيامًا للناس، وألاّ يكون دولة بين الأغنياء منهم، وألاّ يُظلم فيه الناس ولا يظلمون في مجال العمل، وللشيخ الحصين كذلك دور مهم في دعم التعليم، حيث أنه كان عضوًا في مجالس عدد من الجامعات، وبالإضافة إلى علمه الشرعي الغزير وعمق فكره الحصيف والتفاني في عمل الخير، فقد عُرف بالزهد عن مغريات الدنيا، وحسن الدعوة إلى الله؛ تواضعًا في تعامله مع الآخرين، وتحببًا إليهم. دروس مجانية وكان الشيخ صالح الحصين -رحمه الله- آية في التواضع، يشفع للجميع دون تمييز، سواء أفراد أو جماعات، قائلاً: "الشفاعة في العلن والغيب واجب"، لم يرفض طلباً شرعياً، وألقى دروساً مجانية، رافضاً أي مقابل مادي، وقد روى طلابه قصص كرمه مع الفقراء والطلاب الأجانب، وفي زيارة للشيخ صالح الفوزان، قال له الفوزان: "درستني في المعهد"، فأجاب: "لست أهلاً لذلك، جئت لسد فراغ"، وأسّس شخصيتنا مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، مؤكداً على أن الحوار وسيلة للوحدة، وشارك في جلسات مع علماء متنوعين، وكان عضواً في الوقف الإسلامي، مهتماً بالعمل الخيري في الدعوة، وقد ألقى دروساً في الحرم تجذب الآلاف، رافضاً الظهور العلني. وكان للحصين أسرة ملتزمة، وابنه الدكتور عبدالله أستاذ هندسة بجامعة الملك سعود، وقد ربى أبناءه على الزهد، وأثّر في جيل من الطلاب، وقد كانت أسرته من عجائب الخلق في الزهد، يسكنون المدينة، وهم من أعيان شقراء، وكان شقيقه إبراهيم الحصين مدير مكتب ابن باز، وكذلك كان أخوه سعد من الدعاة المشهورين. عقلية قانونية وقيل عن الشيخ صالح الحصين -رحمه الله- الكثير من الشهادات التي ركزت على فرادة شخصيته وجمعه بين المتناقضات المدهشة؛ فقد وُصف بأنه "الوزير الزاهد" الذي طوع الكرسي ولم يطوعه الكرسي، وقيل عنه إنه "عقلية قانونية في جسد فقيه" لقدرته الفائقة على المزج بين الأصالة الشرعية والمعاصرة القانونية، وأعتقد أن كل من قابله له معه موقف معبر ومؤثر، وأجمع معاصروه على أنه كان "هارباً من الأضواء وهي تطارده"، حيث عُرف بتجنبه الكامل للمظاهر الرسمية رغم مناصبه الرفيعة، حتى قال بعض محبيه: "رحل الرجل الذي كان يسافر في الدرجة السياحية وهو وزير، ويجلس مع العامة في الحرم وهو رئيسه"، كما نُعت ب"حكيم الحوار" لدوره المحوري في تقريب وجهات النظر بين التيارات الفكرية المختلفة، حيث قيل إن مجلسه كان "ملاذاً للعقل والإنصاف"، يخرج منه المخالف قبل الموافق وهو يكنّ له كامل الاحترام لشدة تواضعه وعمق طرحه. حُب الخير يقول حسين الزهراني: سمعت عن زهد الشيخ صالح الحصين -رحمه الله- إلا إنني وللأسف لم أتشرف بالتعرف عليه عن قرب؛ وفي ليلة بعد صلاة المغرب في سطح المسجد الحرام بمكة المكرمة حرسها الله شاهدته وهو يمشي لوحده وقد وضع حذاءه -أكرمكم الله- تحت إبطه، ثم ذهب إلى مكان منعزل يصلي النافلة دون بشت ولا حاشية وكان معي بعض أبنائي فقلت لهم من تظنون هذا المصلي؟، فقالوا لا نعرف، شكله من عوام المسلمين؛ فقلت: بل هو الشيخ الدكتور العلامة بقية السلف الصالح صالح الحصين، وكان وقتها الرئيس العام لشؤون الحرمين الشريفين كما أتذكر -انتهى كلامه-. وفي مقال بعنوان "الشيخ صالح الحصين عاش سمحاً ومات سمحاً"، الذي كتبه الدكتور فايز بن عبدالله الشهري في "جريدة الرياض"، قال الكاتب: إن الشيخ صالح الحصين كان مثالاً للتواضع والسماحة، ووصفه بأنه السمح، وأنه كان يحب الخير ويفرح به، ويبذل الجهد في إصلاح ذات البين، وكان كريماً في معاملته وسمحاً في أخلاقه، كما أكد الكاتب أن شخصيتنا كان مدرسة عليا في الكرم والخلق، وأنه كان يتميز بالتواضع الجم وجمال الخلق وسعة الصدر والتفاني في خدمة الدين والناس. داعية ومربٍ وفي المقال الذي كتبه الدكتور محمد حمد الهوشان في "جريدة الرياض"، فقد قال الكاتب: إنه عرف الشيخ صالح الحصين -رحمه الله- في المدينةالمنورة أثناء مرحلة الثانوية، ووصفه بأنه كنز من المعرفة، منح حياته لخدمة هذا الوطن، وأشار الكاتب إلى أن شخصيتنا كان عالماً جليلاً ومفكراً وداعية ومربياً يجمع بين العلم والعمل والتأثير في المجتمع، كما أبرز الكاتب تواضع شخصيتنا وثقافته الواسعة ومشاركته في المجالس والنقاشات، وأكد أنه كان قدوة في التفاني في خدمة الدين والوطن، تاركاً أثراً كبيراً في نفوس الطلاب والمجتمع. والشيخ صالح الحصين لم يمت، بل بقي أثره في الأمة، فقد كانت سيرته درس في كيفية جمع العلم بالعمل، والمنصب بالتواضع، وفي زمن الشهرة، يذكرنا بأن الخير باق، ورجال السلف يتكررون، رحمه الله ورفع درجته في عليين، فالشيخ صالح ذاكرة منقوشة في الوطن ومنهج للزهد والورع وإنكار الذات. توفي في عام 1434ه وأدُيت صلاة الجنازة بحضور أمراء وعلماء، ودفن في مقبرة العود، وقد كرمه مركز الحوار بكتاب "صوت الوسطية" عام 1438ه، تناول سيرته والزهد والفكر. الشيخ صالح بن عبدالرحمن الحصين -رحمه الله- مركز الملك عبدالعزيز للحوار وثّق جهود الحصين بكتاب صوت الوسطية حصل على جائزة الملك فيصل العالمية في خدمة الإسلام 1426ه في مؤلفاته حرص على الوسطية وتصحيح صورة الإسلام الشيخ صالح الحصين كان مثالاً للتواضع والسماحة إعداد- صلاح الزامل