تأتي جدلية الخير والشر في الإنسان بوصفها تساؤلًا وجوديًا عميقًا، يرتبط ارتباطًا مباشرًا بأصل تكوينه: هل جُبل الإنسان على الشر، ثم جاءت الرسالات السماوية لتهذيب جبلته وإرشادها إلى الفضيلة؟ أم أنه خيرٌ بطبعه وفطرته، لكنه يحيد بين الفينة والأخرى عن جادة الفضيلة بفعل عوامل خارجية، كالشيطان الذي أقسم منذ البدء على احتناك ذرية آدم وجرّهم نحو قاع الرذيلة، والتحكم فيهم؟ لا شك أن هذه الجدلية قد استحوذت على نصيب وافر من التحليل وإنتاج الأفكار لدى المفكرين والفلاسفة والشعراء، إذ يمكن اعتبارها جدلية صالحة لكل عصر وزمان، ما دامت البشرية قائمة، ويتجلى ذلك أيضا في تراثنا الشعري، خصوصا عند المعري والمتنبي حيث يميلان بصراحة القول إلى ترجيح كفة الشر على الخير، ويتفق معهم أناس ويختلف أخرون. يقول أبوالعلاء المعري: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الخَيْرَ يَكْسِبُهُ الحِجَى ... طَرِيفًا، وَأَنَّ الشَّرَّ فِي الطَّبْعِ مُتْلَدُ فهو يرى بوضوح أن الشر متأصل في النفس البشرية بوصفه طبعًا متلدًا، في حين أن الخير أمر يُكتسب، ويحتاج إلى "الحِجى" أي العقل، والعجيب في تحليله أنه يجعل العقل ركنًا أساسيًا للخيرية، بينما يربط الجهل بالشر وكأن الجهل هو حجر أساس كل الشرور. ويتقاطع مع هذا الطرح المتنبي، إذ يقول: وَالظُّلمُ مِن شِيَمِ النُّفوسِ فَإِن تَجِد ... ذا عِفَّةٍ فَلِعِلَّةٍ لا يَظلِمُ فهو يرى أن العدوان - وهو من مظاهر الشر - مغروس في النفس البشرية، وأن العفة والامتناع عن الظلم تمثلان الاستثناء لا القاعدة؛ إذ يتعفف الإنسان إما لوازع ديني وأخلاقي، أو لعجزٍ يمنعه من الظلم. وما عدا ذلك، فالنفوس - في نظره مائلة إليه. وفي الفلسفة الغربية، يذهب توماس هوبز إلى تصور قريب من هذا الاتجاه، إذ يرى أن الإنسان "كائن بشع" تحكمه النزعات الأنانية والصراعية، ويعبّر عن ذلك بقوله الشهير: "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان". ومن هنا يؤكد ضرورة وجود سلطة مركزية وقانون رادع، يكبحان فوضوية هذا الكائن ويحدّان من اندفاع شروره. وعلى الضفة الأخرى من هذه الجدلية، يقف فلاسفة يرون أن الخير هو الأصل في تكوين الإنسان، فالفيلسوف إيمانويل كانط يرى أن الخير يتشكل في الإنسان على صورة "أخلاق قبلية"، تستند إلى الضمير بوصفه موجّهًا داخليًا للسلوك؛ لذا فإن ارتكاب الخطيئة يقترن غالبًا بصوت داخلي مؤنب، يردع الإنسان أو يدفعه إلى الندم، وذلك ما يرجح كفة الخير لدى الإنسان، كما يرى سقراط أن الإنسان يمتلك فطرة أخلاقية تجعله يميل بطبيعته إلى الخير، وينفر من الشر بصورة تلقائية، أما في السياق الفلسفي العربي، يعالج ابن طفيل هذه الفكرة من خلال قصة "حي بن يقظان"، حيث يرمز إلى أن الإنسان - إذا تُرك في الطبيعة دون مؤثرات خارجية - فإنه يهتدي بعقله وتأملاته إلى الحقائق الكبرى، ومنها وجود الخالق، على نحو يوافق ما جاءت به الرسالات السماوية. وعلى صعيد السياق الديني الإسلامي، تبرز رؤية تتوسط طرفي الجدل؛ إذ يُنظر إلى الإنسان بوصفه مخلوقًا مُنح "إرادة حرة"، تمكّنه من التمييز بين الخير والشر، ثم اختيار أحدهما وتقديمه على الآخر. ويتجلى ذلك في قوله تعالى: (وهديناه النجدين)، حيث يشير "النجدان" إلى طريقي الخير والشر، بما يعكس مسؤولية الإنسان عن اختياره، ويمنحه في الوقت ذاته القدرة على السمو أو السقوط. لحظة ختام: تنسب هذه المقولة للكاتب البرتغالي أفونسو كروش: "لا أستطيع أن أقول عن إنسان أنّه طيب إلا إذا كان لديه القدرة على فعل الشر ولم يفعل، يجب أن يكون لديك الخيارات لتعرف حقًا من أنت".