أوضح سليمان محمد النمر -مستشار أسري اجتماعي- أن من أهم الأخطاء التي يقع فيها كثير من الوالدين في تربية الأطفال هو عدم الاتساق أو التذبذب في أسلوب التربية، حيث قد يُرفض السلوك في موقف ويُقبل في موقف آخر بحسب المزاج أو الظروف، وهو ما يسبب للطفل حالة من الارتباك ويؤثر على نموه النفسي والسلوكي. وقال: إن الطفل يتعلم من الوضوح والتكرار وليس من العشوائية، وعندما يعيش في بيئة متناقضة فإنه يفقد القدرة على التمييز بين الصح والخطأ، وقد يبدأ في استغلال هذا التناقض أو يفقد احترامه للحدود والأنظمة. وأضاف أن من صور هذا التذبذب أن يرفض أحد الوالدين سلوكًا بينما يقبله الآخر، أو يتم معاقبة الطفل على تصرف معين في مرة ويتم تجاهله في مرة أخرى، أو تنفيذ التهديد أحيانًا والتراجع عنه أحيانًا أخرى. وأشار إلى أن هذا السلوك يضعف شخصية الطفل ويؤثر على استقراره النفسي، مؤكدا على أن البديل الصحيح يتمثل في وضع قواعد واضحة وثابتة، واتفاق الوالدين على أسلوب تربوي موحد، وتطبيق العواقب بعدل وثبات، مع التفريق بين رفض السلوك ورفض الطفل نفسه، إضافة إلى تجنب القسوة الزائدة أو التدليل المفرط أو التربية بالصراخ بدل الحوار، موضحًا أن الطفل لا يحتاج والدين مثاليين بقدر ما يحتاج إلى والدين واضحين وثابتين وعادلين. وفيما يتعلق بالتعامل مع الأطفال والمراهقين، أشار إلى أن السر لا يكمن في أسلوب واحد، بل في قاعدة أساسية وهي كسب العلاقة قبل محاولة تعديل السلوك، فمتى ما شعر الطفل أو المراهق بالقبول والاحتواء أصبح أكثر استعدادًا لتقبل التوجيه.وأكد على أهمية الاقتراب العاطفي، حيث يحتاج الطفل إلى حب ظاهر واحتواء، بينما يحتاج المراهق إلى احترام وتقدير، مع تقليل الأوامر وزيادة مساحة الحوار، مبيناً أن القدوة أهم من كثرة التوجيهات، وأن اختيار المعارك التربوية أمر ضروري، بحيث يتم التركيز على القيم الأساسية مثل الصدق والاحترام والمسؤولية بدل الانشغال بكل الأخطاء الصغيرة، مع إعطاء المراهق مساحة مناسبة من الحرية دون رقابة خانقة أو ترك كامل، ضمن معادلة تقوم على القرب بدون ضغط. وأضاف أن القواعد يجب أن تكون ثابتة بينما الأسلوب مرن حسب العمر والشخصية، موضحًا الفرق بين الطفل الذي يحتاج إلى حنان وتوجيه مباشر، والمراهق الذي يحتاج إلى حوار واحترام وإشراك في القرار، مختتمًا بأن الطفل يقول "حبني وعلمني"، بينما المراهق يقول "احترمني وافهمني"، ومن يجمع بينهما يحقق نجاحًا تربويًا متوازنًا. وفي جانب الموازنة بين الحزم واللين، أوضح أن هذا التوازن ليس تناقضًا بل معادلة تربوية تقوم على الحزم في القيم والحدود، واللين في الأسلوب والتعامل، بحيث لا يتم التنازل عن المبادئ ولكن تكون طريقة الإيصال هادئة وعادلة. وتابع أن الحزم الحقيقي لا يعني رفع الصوت أو العصبية، بل يعني الوضوح مع الهدوء، وربط السلوك بعواقب منطقية بدل العقوبات العشوائية، مثل تقليل وقت الخروج عند التأخر أو تحمل نتائج الإهمال الدراسي عند التقصير. وشدّد على أهمية تقديم بدائل بدل المنع المباشر، مثل السماح باستخدام الجوال بعد إنهاء الواجب، مع ضرورة الفصل بين السلوك والشخص للحفاظ على كرامة الطفل وتقوية العلاقة، مع ضرورة استخدام الجرعات اليومية من اللين مثل المدح والاحتواء والوقت الخاص، موضحًا أن الحزم يحمي القيم بينما اللين يحمي العلاقة، وكلاهما ضروري لتحقيق شعور الطفل بالأمان والانضباط.