لم تعد خدمات التوصيل رفاهية في المملكة؛ بل أصبحت جزءًا لا يتجزأ من نمط الحياة المتسارع. ومع هذا التوسع الكبير في التطبيقات والخدمات اللوجستية، كان من المتوقع تحسُّن في جودة تجربة العميل، إلا أن الواقع يكشف أحيانًا مسارًا معاكسًا. لا يشتكي العميل اليوم من تأخر الطلب بقدر ما يشتكي من طريقة تنفيذ الخدمة نفسها. اتصالات متكررة في دقائق معدودة، ورسائل متلاحقة عبر تطبيقات المحادثة، مكالمات تُغلق قبل اكتمالها، وتعامل يوحي أن العميل هو سبب التعقيد لا صاحب الخدمة. هذه لم تعد حالات فردية، بل ممارسات متكررة تستحق المراجعة. ومن الأمثلة اليومية التي باتت مألوفة: رغم إدخال الموقع بدقة داخل التطبيق، يطلب المندوب إرسال الموقع مرة أخرى، ثم تتكرر الاتصالات للطلب ذاته. تُرسل صور واضحة للباب ورقم المنزل لتسهيل الوصول، ومع ذلك يقف المندوب في موقع مجاور دون مراجعة الصور المرسلة. أحيانًا يُبلَغ العميل بوصول المندوب على الرغم من عدم وصوله، وفي حالات أخرى يُترك الطرد أمام الباب دون التأكد من استلامه، أو يُلقى من أعلى البوابة دون اكتراث بسلامة محتواه أو قيمته. المشكلة هنا لا تتعلق بالأفراد بقدر ما تعكس نموذج تشغيل يركز على السرعة ويتجاهل جودة التجربة. عندما يُقاس الأداء بعدد الطلبات المنجزة في الساعة، يصبح التواصل المهني والانتباه للتفاصيل عبئًا إضافيًا بدلاً من أن يكون جزءًا أساسًا من الخدمة. القطاع بحاجة إلى تعديلات عملية وواضحة، من أبرزها: * توحيد استخدام الموقع المسجّل داخل التطبيق ومنع طلبه مجددًا دون مبرر. * وضع سياسات اتصال تحدّ من الإزعاج المتكرر في مدة زمنية محدودة. * إلزام المندوب بالتحقق من الموقع والصور المرسلة قبل التواصل مع العميل. * اعتماد بروتوكول تسليم يضمن الاستلام الفعلي بدلاً من ترك الشحنات دون إشراف. * ربط تقييم الأداء برضا العميل وجودة التعامل، لا بسرعة التسليم فقط. * تدريب إلزامي على مهارات التواصل وخدمة العملاء باعتبارها جزءًا من المهنة. الاقتصاد الرقمي لا يُبنى بالتطبيقات وحدها، بل بثقافة خدمة تحترم وقت الإنسان وخصوصيته. فمندوب التوصيل هو الواجهة الحقيقية للشركة، وأي خلل في هذه اللحظة الأخيرة يختصر كل جهود الجودة السابقة. الرسالة بسيطة: سرعة الوصول مهمة، لكن احترام العميل أهم!