لا أعرف ان كان الابداع الأدبي في أي فترة زمنية تاريخية، عرف من الارتباك والالتباس ما نرى الساحة الأدبية تمر به اليوم. وفي انفلات شهوة الظهور، وتسامح دعوات التجريب أدى ارتباك الأساليب الابداعية الأدبية، واقترابها من بعضها الى هشاشة التصنيف وتداخل الاشكال. ما يثير اليوم سؤالاً مشروعاً: أين نرسم الخط الفارق بين القصة والقصيدة؟ خاصة حين تأخذ الأولى صيغة التكثيف في ومضات كبسولية، وتأخذ الثانية صيغة النثرية، وتشترك الاثنتان في الاعتماد على تدفق تيار اللاوعي؟ مئات الانتاجات الجديدة تستوقف القارئ، نصوص تتسمى شعرية تخلو من الايقاع الخارجي ولكنها تأتي تأملية المضمون هامسة النبرة، وقصص تستخدم تعبيرات تؤطر الأشياء اليومية الأليفة بالشاعرية الذاتية، وتأملات وجدانية وعاطفية وفكرية في صيغة بعيدة عن المباشرة والسردية والخطابية... فهل نصنفها شعراً أم نثراً بناء على شكلها أم محتواها؟ ربما هو وجه آخر للسؤال الجامح في الساحة: من هو المؤهل لتقويم او تصنيف نصوص تقف على الطرف الآخر من الصيغة الأدبية بمعاييرها الواضحة التي اعتدناها؟ هل يترك الأمر للقارئ، أو الناقد التقليدي، او الناقد الحداثي، او مشرف الملاحق الأدبية، او لكاتب النص نفسه؟ يعترض البعض بحجة ان الشعر، هذا المضمار الذي يطمح اليه كل حالم بشهرة الكلمة ورتبة الابداع، اختلف فيه المختلفون، ثم ضاعت المقاييس وغيبت المعايير حين اصبحت القراءة والكتابة مشاعة للجميع، فأجيز لكل من حمل قلماً ان يدخل ميدان السباق. لكنّ الأمر ليس ببساطة "اختلاط الحابل بالنابل". اذ ان الحابل والنابل يجمعهما السعي وراء هدف واحد، هو اقتناص طريدة ما واضحة المعالم والصفات. بينما بعض المتخبطين في ساحة الشعر لا يملك سلاحاً ولا عدة... وربما لا يعي من الهدف الا التحرق لبلوغ رتبة شاعر. أما أنا، فواثقة من ان جوهر الابداع لا يخفى، وان الأصيل يظل اصيلاً والابداع ابداعاً، خارج الالتباسات والتصنيفات المرتجلة والموجهة. لن أقع في شرك محاولة تقديم قائمة باسماء معينة. مع أنّها قلة معروفة بين الخليج والمحيط، تحتذي مثالها موجات التقليد في النصوص اللاهثة وراء مسمى الشعر. وتنجح تلك النصوص في تقمص الشكل حيناً، وتفشل غالباً في مواكبة المضمون المتفرد. لا شك في أن تميّز النص لا ينحصر في التزام شكل محدّد أو مضمون مختار. ولكن الأمر لا يقتصر على النصوص المتميزة. فالساحة تفيض بانتاجات رثة تقلد الظاهر الحداثي فتنتهي هذياناً، او تتشبث بالعمود التقليدي فتنحدر الى نظم غث، وكلاهما يفتقد الاصالة في مضامينه وصوره. وحين نؤكد ان النص المختلف هو ما يستوقف المتلقي، يجب ان لا ننسى اتباع هذه المعادلة بتوضيح: إن بعض ما يكتب قد يستوقفنا... تقززاً وليس اعجاباً!