بعض المواقع الإلكترونية تحتفظ بالبصمات الرقمية للأشخاص، وما تقوم به يكون لخدمتهم بصورة أفضل، إلا أن هذا لا يحيد احتمالية بيعها لطرف ثالث، أو سرقتها وبيعها في الإنترنت المظلم المعروف ب"الدارك ويب"، فالخصوصية على الإنترنت شبه معدومة، والأمن المعلوماتي ليس مضمونًا دائمًا، والشواهد كثيرة.. السيرة الذاتية لم تعد كافية لتوظيف الأشخاص في الوقت الحالي، فقد أصبحت بصمة الشخص الرقمية على الإنترنت، وتحديداً في السوشال ميديا، بمثابة تمثيل صادق لسيرته الفعلية، ولعلها أول ما يتم فحصه عند تقدمه لوظيفة، واستنادا لموقع: كارير بيلدر الأميركي، فقد لوحظ أن 70 % من أصحاب الأعمال يلجؤون إلى السوشال ميديا، وذلك لمعرفة تفاصيل أكثر عن المرشحين على وظائفهم، ووجدت منصة: بي آر نيوز واير، أن 67 % من مديري التوظيف يستخدمون محركات بحث مثل غوغل، بغرض التدقيق في بيانات المرشحين، قبل اتخاذ قرار المقابلة، وأنه قد تم استبعاد 54 % شخصاً من وظائف تقدموا عليها بسبب نشرهم لمحتوى غير لائق، أو مثير للجدل على حساباتهم الشخصية. في المقابل 37 % من أصحاب العمل قرروا توظيف أشخاص لأن بصمتهم الرقمية أظهرت شخصية تتناسب مع ثقافة العمل لديهم، مع ملاحظة أن لينكدإن، تعتبر الوجهة الأولى ل95 % من مسؤولي التوظيف، في المجتمعات الغربية، وهم قد يتوقفون عند منصة إكس، لقياس ذكاء المرشح الاجتماعي وطريقة تفاعله مع القضايا العامة. بعد دخول المستثمر الأجنبي إلى سوق العمل السعودي أصبح غياب البصمة الرقمية، كعدم وجود حساب على لينكدإن، يؤثر في فرص المنافسة بين الأشخاص على الوظائف التقنية والإدارية، وتقوم الأجهزة الحكومية والقطاع الخاص معاً، بمراجعة الحسابات الرقمية للتأكد من مواءمة المتقدم لقيمها وثقافة العمل الموجودة فيها، خصوصا أن تقرير وي آر سوشال لعام 2024 أشار أن الوقت الذي يستخدم فيه السعوديون الوسائل الرقمية، يصل، في المتوسط، إلى سبع ساعات و46 دقيقة يومياً، وهذه مدة كافية، في رأيي، لإصدار أحكام أقرب إلى الصحة عنهم. تعتقد شيري توكل، أستاذة علم الاجتماع في معهد ماساتشوستس للتقنية في أميركا، أن البصمة الإلكترونية ليست مجرد سجل لنشاط الأشخاص، وإنما جزء أصيل من هوياتهم، وأنها تكشف صورتهم أمام العالم، وأزيد عليها السمعة الإلكترونية، والأخيرة تتأثر بسلوكهم الرقمي، وبتصرفاتهم على السوشال ميديا، وما سبق يعكس استخدامات البصمة الايجابية، فقد نبهت شركة كاسبرسكي في أواخر 2025 إلى أن المنشورات والصور والتعليقات وعمليات الشراء، بالاضافة إلى الموقع الجغرافي وسجل المتصفح وغيرها، تختصر ما يعرف بالبصمة الرقمية، ويمكن استخدامها في إعداد ملف دقيق عن حياة المستخدمين الشخصية والرقمية، والمعنى أنه بالإمكان استغلالها في المستقبل للابتزاز أو لانتحال الهوية، ومن الأمثلة، تطبيقات التوصيل والطعام التي تجمع في المتوسط 21 نوعاً من البيانات الشخصية، 95 % منها مرتبط بهوية الشخص وهاتفه وعنوانه، والسبب أنها تبقى حاضرة ومخبأة في ذاكرة الإنترنت لأعوام طويلة. بعض المواقع الإلكترونية تحتفظ بالبصمات الرقمية للأشخاص، وما تقوم به يكون لخدمتهم بصورة أفضل، إلا أن هذا لا يحيد احتمالية بيعها لطرف ثالث، أو سرقتها وبيعها في الإنترنت المظلم المعروف بالدارك ويب، فالخصوصية على الانترنت شبه معدومة، والأمن المعلوماتي ليس مضموناً دائماً، ومن الشواهد، الاختراقات التي طالت حسابات ثلاثة مليارات مستخدم في شركة ياهو عام 2016، وحسابات 500 مليون عميل في فنادق ماريوت عام 2018، وحسابات 145 مليون مستخدم في موقع إيباي عام 2014، وحسابات 57 مليون مستخدم، و600 ألف سائق في شركة أوبر عام 2016، واختراق نموذج الذكاء الاصطناعي الصيني: ديب سيك، في أواخر يناير 2025، وتسريب بيانات ومحادثات المستخدمين عليه، وسحب قاعدة بياناته، ومعها نموذج الذكاء التوليدي الذي يعمل عليه، وفضيحة شركة الاستشارات السياسية البريطانية، كامبريدج أناليتكا في 2018، عندما حصلت على بيانات شخصية لقرابة 87 مليون مستخدم في منصات السوشال ميديا، وبطريقة غير مشروعة، وثم قامت بتوظيفها في اعلانات موجهة لاهداف سياسية، وبالأخص في انتخابات الرئاسة الأميركية، وفي استفتاء البريكست لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. تجارة البيانات تقدر قيمتها سنوياً بنحو 120 ملياراً، ووفقاً لما نشرته شركة ستاتيست، في أواخر عام 2022، فإن متوسط سعر المعلومة الواحدة المرتبطة بالحالة الصحية يصل إلى 26 سنتاً، ويعتبر الأعلى سعراً بين بقية البيانات، وإذا تعلق الأمر بالحالة الاجتماعية، كالخطبة والزواج الوشيك، تتراجع القيمة إلى 12 سنتاً، وتبلغ أدنى مستوياتها في حالتي الزواج الحديث والطلاق، حيث إنها لا تتجاوز سنتين، وعندما ترتبط بتوقع قدوم مولود جديد، تكون قيمة المعلومة 12 سنتاً، وبالنسبة للعمر والجنس فإنهما لا يساويان إلا سنتاً واحداً، وكلها تفيد في الإعلان والتسويق، فهذه السنتات في شركة من نوع: ميتا، تتحول إلى ملايين، بالنظر إلى أعداد المشتركين في منصاتها، وعلى سبيل المثال، قيامها ببيع معلومة قيمتها خمسة سنتات، سيعود عليها بمكاسب لا تقل عن 100 مليون دولار، والسابق يأتي من الحسابات النشطة على منصة فيسبوك وحدها، وتقدر قيمة الاعلانات على هذه المنصة منفردة، والتي يتم تصميمها بناء على بيانات المستخدمين المستهدفين، بحوالي 78 مليار دولار سنوياً، ولولاها لما كان الاستثمار في السوشال ميديا من الأساس.