يشهد موسم الأوسكار 2026 حالة استثنائية، لا تحكمها النجومية المطلقة أو الحملات الدعائية الصاخبة بقدر ما تقودها تحولات عميقة في الذائقة السينمائية العالمية. فمع اقتراب موعد الحفل، تتجه الأنظار إلى سباق مفتوح المعالم، تتنافس فيه أفلام ذات طابع إنساني وفني جريء، على حساب الأعمال التجارية التقليدية التي اعتادت السيطرة على المشهد. هذا الموسم، برزت أعمال اختارت السرد الهادئ والمعالجة العميقة للشخصيات، وقدّمت قصصًا تنطلق من الهامش الاجتماعي أو الذاكرة الفردية، لتلامس أسئلة كبرى تتعلق بالهوية، والفقد، والعزلة، والتحولات النفسية. أفلام اعتمدت على قوة النص والأداء، أكثر من اعتمادها على المؤثرات البصرية أو الأسماء اللامعة. ويُلاحظ أن حضور منصات البث أصبح أكثر رسوخًا في المنافسة، بعد سنوات من الجدل حول "سينما الصالات" و"سينما المنصات". هذا العام، لم تعد المشاركة الرقمية استثناءً، بل جزءًا من المعادلة، حيث استطاعت أعمال مدعومة من منصات كبرى أن تحجز مواقع متقدمة في قوائم الترشيحات، مدفوعة بإنتاج نوعي وحملات مدروسة. في المقابل، شهدت بعض الاستوديوهات التقليدية تراجعًا نسبيًا في حضورها، مع فشل عدد من الأفلام الضخمة في تحقيق الصدى النقدي المتوقع، ما أعاد فتح النقاش حول مستقبل السينما التجارية، وحدود تأثير شباك التذاكر على قرارات الأكاديمية. ولا ينفصل هذا الموسم عن السياق الثقافي والسياسي العالمي، إذ حملت عدة أفلام نبرة واضحة تجاه قضايا معاصرة، سواء عبر الرمزية أو السرد المباشر، ما أعاد الجدل القديم حول دور السينما: هل هي فن خالص أم أداة تعبير اجتماعي؟ ويبدو أن الأكاديمية باتت أكثر انفتاحًا على هذا النوع من الطرح، مقارنة بسنوات سابقة. أما على مستوى التمثيل، فقد طغت هذا العام الأداءات الداخلية المكثفة، مع تركيز واضح على الشخصيات المركبة نفسيًا، وهو ما منح أفضلية لممثلين اختاروا أدوارًا بعيدة عن القوالب المألوفة، وأعاد الاعتبار لفكرة "الدور الصعب" بوصفه معيارًا فنيًا لا تجاريًا. في المحصلة، لا يبدو سباق الأوسكار 2026 موسمًا عابرًا، بل محطة تعكس انتقالًا تدريجيًا في بنية الصناعة، من سينما النجوم إلى سينما الرؤية، ومن منطق السوق إلى منطق التأثير. موسم يعيد طرح السؤال الأهم: إلى أين تتجه السينما العالمية، ومن يملك حق تعريف "الفيلم الأفضل" في زمن تتعدد فيه المنصات، وتتشابك فيه الأذواق والسياقات.