استضافت مكتبة الملك فهد الوطنية اللقاء الثاني عشر من سلسلة «حديث المكتبة»، بحضور الوزير والدبلوماسي المصري الأسبق عمرو موسى، في أمسية فكرية تناولت السيرة الذاتية بوصفها مدخلًا لفهم التحولات السياسية والثقافية في العالم العربي، بعيدًا عن الاستعادة الزمنية التقليدية للمسار الشخصي. وجاء اللقاء بحضور صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل، رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، وصاحب السمو الملكي الأمير فهد بن فيصل بن سلمان بن عبدالعزيز، فيما أدار الحوار الدكتور رائد قرملي، وبمشاركة نخبة من المثقفين والمهتمين بالشأن الفكري والثقافي. وأكد عمرو موسى في مستهل حديثه اعتزازه باستضافة مكتبة الملك فهد الوطنية، مقدمًا شكره لصاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان بن عبدالعزيز، رئيس مجلس أمناء المكتبة، ومشيرًا إلى التفاعل الواسع الذي حظيت به مذكراته في جزأيها الأول والثاني، مع الإعلان عن قرب صدور الجزء الثالث بنهاية العام الجاري. وأوضح أن اختيار عنوان مذكراته المستلهم من القرآن الكريم يعكس قناعته بأن الكتابة ليست مجرد توثيق للأحداث، بل أداة لفهم التجربة الإنسانية في سياقاتها السياسية والاجتماعية. وتوقف عند جذوره الأولى، متحدثًا عن نشأته في بيئة ريفية مصرية، وما حملته من قيم اجتماعية وثقافية أسهمت في تشكيل وعيه المبكر. وتناول موسى علاقته المبكرة بالقراءة والصحافة، موضحًا أنها تحولت إلى ممارسة يومية ثابتة امتدت لأكثر من خمسة عقود، أسهمت في بناء لغته السياسية وتوسيع أفقه المعرفي، ومكنته من متابعة التحولات الدولية وفهم ديناميكياتها. وفي حديثه عن القضايا العربية، شدد على أن السلام لا يتحقق عبر الشعارات أو الصور الرمزية، بل من خلال التزام سياسي وأخلاقي حقيقي، يقوم على حل عادل للقضية الفلسطينية، يضمن قيام دولة فلسطينية قادرة ومسؤولة عن الأمن والاستقرار في المنطقة. وحمّل إسرائيل مسؤولية ما تشهده المنطقة من اضطرابات، داعيًا إلى إعادة الاعتبار للقانون الدولي بوصفه مرجعية أساسية. كما دعا إلى إجراء انتخابات فلسطينية شاملة تفرز قيادة جديدة تعبّر عن تطلعات المرحلة، مع إمكانية الاستفادة من التقنيات الحديثة لضمان مشاركة الفلسطينيين في جميع المناطق، بما فيها القدس. وأعرب عن قلقه من التحولات الجارية في النظام الدولي، محذرًا من فرض تسويات تمس السيادة الوطنية مقابل وعود السلام. وأكد موسى أهمية التحالف السعودي - المصري بوصفه ركيزة أساسية في التوازن العربي، مشيرًا إلى قدرته على اتخاذ مواقف حاسمة حين يصبح الرفض موقفًا أخلاقيًا قبل أن يكون سياسيًا. كما استعرض مبادرة السلام العربية التي قدمتها المملكة العربية السعودية، معتبرًا إياها نموذجًا ناضجًا لطرح عربي يقوم على التعايش والاحترام المتبادل. وفي الشأن الثقافي، أشار إلى أن الهوية العربية تشكل وجدانًا مشتركًا يتجاوز الحدود الجغرافية، مؤكدًا أن القوة الناعمة تمثل إحدى أهم أدوات التأثير في العصر الحديث، مستشهدًا بدور الفنون، والجامعات، والإعلام الثقافي في بناء النفوذ العالمي للدول. وتطرق إلى أهمية القراءة اليومية بوصفها أداة وعي، داعيًا إلى الاطلاع على الصحافة العربية والدولية لفهم تنوع الرؤى لا لتبنيها بالضرورة، كما شدد على أن التعليم الحقيقي هو الذي يركز على بناء الشخصية والوعي قبل المهارة. واختتم عمرو موسى اللقاء بالتأكيد على أن مستقبل العالم العربي مرهون بالاستثمار في الإنسان، وتعزيز الثقافة، واستعادة دور التعليم في بناء وعي قادر على التعامل مع التحولات الكبرى دون فقدان البوصلة التاريخية. جانب من الجلسة الحوارية الأمير تركي الفيصل والأمير فهد بن فيصل خلال اللقاء