يُعد المسرح المدرسي إحدى أهم الأدوات التربوية والثقافية التي أسهمت عبر عقود طويلة في بناء شخصية الطالب وتنمية وعيه الفكري واللغوي والاجتماعي، وكان حاضرًا في المدارس السعودية بوصفه مساحة تعليمية موازية للفصل الدراسي، تُغذّي العقل والوجدان، وتكشف المواهب، وتزرع الثقة بالنفس، وتُنمّي مهارات التعبير والحوار والعمل الجماعي. وقد شكّل المسرح المدرسي في المملكة منذ بدايات التعليم النظامي، رافدًا مهمًا للحراك الثقافي والفني، وبيئة أولى انطلقت منها أسماء لامعة في مجالات الإعلام والثقافة والمسرح. وارتبط تاريخ المسرح المدرسي في المملكة بنشأة التعليم الحديث، حيث كانت الأنشطة الطلابية جزءًا أصيلًا من العملية التعليمية، وتبنّت المدارس تقديم مشاهد تمثيلية ذات مضامين تربوية ودينية ووطنية، تعالج القيم والأخلاق، وتُعزز الانتماء الوطني. ومع مرور السنوات، تطور المسرح المدرسي من عروض بسيطة داخل الفصول أو الساحات إلى أعمال مسرحية متكاملة تُقدّم في مناسبات مدرسية ورسمية، وتحظى بحضور أولياء الأمور والمجتمع المحلي، مما جعله وسيلة تواصل فعّالة بين المدرسة والمجتمع. ولا تكمن أهمية المسرح المدرسي في كونه نشاطًا ترفيهيًا، بل في دوره العميق في صقل المواهب واكتشاف الطاقات الكامنة لدى الطلاب، فقد كان المسرح المدرسي صائدًا حقيقيًا للمواهب في التمثيل، والإلقاء، والكتابة، والإخراج، وحتى في التنظيم والعمل الفني خلف الكواليس، كما أسهم في تخريج أجيال تمتلك الجرأة على الوقوف أمام الجمهور، والقدرة على التعبير عن الرأي، واحترام الاختلاف، والعمل بروح الفريق. ويؤكد مختصون في الفنون أن المسرح المدرسي هو البذرة الأولى لأي حركة مسرحية وطنية، وأن غيابه ينعكس سلبًا على المشهد الثقافي العام، إذ يُفقد الساحة الفنية رافدًا أساسيًا لتغذية المواهب الشابة، أما مختصون في علم الاجتماع، من رجال ونساء، فيرون أن المسرح المدرسي يلعب دورًا مهمًا في بناء شخصية متوازنة للطالب، ويُسهم في تقليل السلوكيات السلبية، من خلال توجيه الطاقة نحو الإبداع والتعبير الإيجابي. ورغم هذه الأهمية الكبيرة، شهد المسرح المدرسي في المملكة تراجعًا ملحوظًا خلال العشرين عاماً الأخيرة، حتى كاد يغيب عن المشهد التعليمي في كثير من المدارس، هذا الغياب يطرح تساؤلات مشروعة حول الأسباب، خاصةً في ظل توفر الإمكانات المادية، وتطور البنية التحتية للمدارس، وازدياد الاهتمام بالأنشطة اللاصفية في الخطاب التربوي. ويُجمع مختصون على أن أسباب هذا التراجع متعددة، من أبرزها تزاحم المناهج وكثافة الجداول الدراسية، مما قلّص المساحة المخصصة للأنشطة، إضافةً إلى ضعف التأهيل المتخصص لبعض المشرفين على النشاط المسرحي، وغياب الخطط الواضحة لتفعيل المسرح المدرسي بشكل مستدام. ورغم هذا التراجع، فإن المسرح المدرسي يملك فرصة حقيقية للعودة بقوة، خاصة في ظل التحولات الثقافية التي تشهدها المملكة، والاهتمام المتزايد بالفنون، وتمكين المواهب، ودعم الإبداع ضمن رؤية وطنية شاملة.