لم تعد الخدمة المجتمعية مفهومًا تقليديًا يقتصر على الجهد الميداني أو المبادرات المحلية المحدودة، بل أصبحت اليوم مساحة واسعة تمتد عبر الفضاء الرقمي، حيث تتقاطع المسؤولية الفردية مع التأثير الجماعي. الخدمة المجتمعية في جوهرها فعل أخلاقي يعكس وعي الإنسان بدوره تجاه محيطه، ومع التطور التقني المتسارع بات بالإمكان توسيع هذا الدور وتعظيم أثره. التقنيات الرقمية، من منصات التواصل إلى أدوات التقييم والمراجعة، منحت الأفراد قدرة غير مسبوقة على المشاركة، والتأثير، وصناعة الفرق، بشرط أن تُستخدم بضمير حي ووعي اجتماعي. تُعد تعليقات قوقل مثالًا واضحًا على الخدمة المجتمعية الرقمية حين تُمارَس بمسؤولية. فالتعليق الصادق والمتزن ليس مجرد رأي عابر، بل رسالة قد تُبنى عليها قرارات مصيرية لأفراد أو عائلات أو حتى مؤسسات. اختيار مطعم، طبيب، مدرسة، أو جهة خدمية أصبح يعتمد بدرجة كبيرة على تجارب الآخرين المكتوبة. حين يكتب الشخص تجربته بموضوعية، دون مبالغة أو تصفية حسابات، فإنه يقدّم خدمة عامة حقيقية، ويسهم في رفع جودة الخدمات عبر التغذية الراجعة العادلة. أما التعليقات غير المسؤولة، فهي تشوّه الواقع وتضر بالمجتمع أكثر مما تنفعه. يتجلى وجه آخر للخدمة المجتمعية الرقمية في نشر الوعي عبر قنوات التواصل الاجتماعي، ودعم القضايا الإنسانية والاجتماعية. مشاركة معلومة موثوقة، تسليط الضوء على قضية منسية، أو دعم حملة إنسانية، كلها أفعال بسيطة في ظاهرها لكنها عميقة الأثر. المنصات الرقمية مكّنت الأفراد من تجاوز الحدود الجغرافية، وبناء تضامن عابر للمكان، وتحريك الرأي العام نحو قضايا عادلة.. غير أن هذا الدور يتطلب تحققًا من المصادر، واحترامًا لكرامة الإنسان، وابتعادًا عن الاستغلال العاطفي أو نشر الذعر. التطور الرقمي نعمة حقيقية إذا أُحسن توظيفها، وهو سلاح ذو حدين إن أسيء استخدامه. ودورنا كمجتمع واعٍ أن نستثمر هذه الأدوات إلى أقصى حد ممكن في خدمة الإنسان، وتعزيز القيم، وبناء الثقة. الخدمة المجتمعية الرقمية ليست ترفًا، بل مسؤولية معاصرة تبدأ من الفرد وتمتد إلى المجتمع بأسره، حيث يصبح الوعي الرقمي أحد أهم أشكال العطاء في زمن التقنية.