وسط زحمة الأصوات وكثرة المحاولات، يبقى اكتشاف الفنان الحقيقي مهمة دقيقة أشبه بالبحث عن ضوء مختلف وسط بحر من الأضواء المتشابهة. فالفنان ليس مجرد خامة صوتية، بل روح لها أثر، وشخصية تستطيع أن تصنع لنفسها مكاناً في ذاكرة المستمع قبل أن تصنعه على خشبة المسرح. اكتشاف الموهبة.. رحلة تبدأ من التفاصيل، حيث لم تعتمد على المصادفة 100 %، بل على مراقبة دقيقة لكل نافذة يمكن أن تُطل منها الموهبة. وقد يبدأ الأمر من مقطع عابر ينشره شاب في بيته، أو تسجيل بسيط يصل إلى شركة الإنتاج أو إلى مدير أعمال الفنانين، أو لحظة تألق في مسرح صغير حضره أحد مديري المواهب دون موعد سابق. وفي زمن المنصات الرقمية، بات الحكم الأول والأصدق هو تفاعل الناس، فالمحتوى البسيط يكشف ما تخفيه الموهبة خلف الأضواء. ما الذي يجعل شركة الإنتاج تقول: "هذا هو"؟ فليست كل موهبة قابلة للعبور، لذلك يصبح القرار مبنياً على مجموعة من المعايير التي تشكّل هوية الفنان الحقيقية: فصوت له بصمة وليس مجرد صوت جميل. الصوت الجميل موجود، لكن الصوت "المميز" نادر. حيث الشركات تبحث عن خامة قادرة على أن تُعرف بمجرد أن تُسمَع، بصوت يشبه صاحبه، لا يشبه أحداً آخر، خامة فريدة وخاصة بالموهبة. إضافة إلى أن حضوره يتجاوز حدود المسرح. أي أن الكاريزما ليست تدريباً، بل شعوراً يشعر به الناس قبل أن يفهموه، ذلك الوقوف الواثق، الابتسامة التي تخفف التوتر، القدرة على خطف الانتباه دون جهد. هذا ما يصنع الفرق بين مغنٍ وفنان. ثم نأتي إلى الانضباط، سر النجومية قبل الصوت، فالفنان الذي لا يستطيع الالتزام بعمله، لن يصمد مهما كانت موهبته. النجومية ليست قراراً، بل أسلوب حياة: تدريبات، تسجيلات، مقابلات، محتوى، ضغط.. إلى آخره.. والفنان المنضبط هو استثمار آمن لأي شركة إنتاج. أيضاً لا ننسى، قابلية التطوير، فالموهبة وحدها بداية الطريق، أما الطريق نفسه فيُبنى بالعمل المستمر. فالفنان الحقيقي هو من يقبل الملاحظات، يتطور، يتحسن، يسمع النصائح، ويعرف أن كل يوم يُضيف شيئاً لصوته وحضوره.. تليها هوية واضحة لا تتشتت بين الاتجاهات.. ما اللون الذي يقدمه؟ ما المزاج الذي يلامس به الناس؟ ما الصورة التي يطل بها؟ الهوية الفنية ليست شكلاً، بل رسالة يشعر بها الجمهور ويصدقها. ثم قبول جماهيري أوليّ، حيث لا يشترط أن يكون الفنان مشهوراً، لكن ردّت فعل الناس الأولية هو دليل مهم على أن الموهبة تمس القلوب. حتى وإن كان جمهوراً قليلاً لكنه "صادق" يفتح الباب إلى جمهور أكبر. هناك شيء مهم، يرتبط بشخصية تحترم الفن وتحترم من حولها، فالفنان هو واجهة للمكان الذي يتبناه: في حضوره الإعلامي، في سلوكه، في اللغة التي يستخدمها. لذلك السلوك جزء من الموهبة، وليس إضافياً لها. لذلك فالفنان مشروع، وليس أغنية، لذا فإن الشركات اليوم تدرك أن الفن ليس أغنية ناجحة أو انتشاراً مؤقتاً، بل بناء طويل المدى يحتاج رؤية وصبراً وشغفاً. والفنان الحقيقي هو الذي يستطيع أن يكون "قيمة مضافة" للمشهد، ليس (هبّة) لا تتجاوز ضجة يومين. فالفنان اكتشاف يشبه التقاط شرارة بسيطة، لكنها حين تُروى وتُصقل، تتحول ضوءاً قوياً لا يشبه إلا صاحبه. إذاً، هذا هو الفرق بين من يغني.. ومن يصنع أثراً ليبقى.