أصبح سوق العمل السعودي نموذجاً للنضج الاقتصادي ومعززاً لرأس المال البشري، حيث سجّل إنجازًا اقتصاديًا لافتًا بوصول معدل البطالة بين السعوديين إلى(3.4 %) خلال الربع الثالث من عام 2025، في مؤشر يعكس تحولًا هيكليًا عميقًا في بنية الاقتصاد الوطني، ويؤكد نجاح السياسات التنموية الهادفة إلى بناء اقتصاد متنوع ومستدام، يقوده رأس المال البشري بوصفه المحرك الأساسي للنمو. ويُعد هذا المعدل من أدنى معدلات البطالة المسجلة تاريخيًا، ما يضع المملكة في مصاف الاقتصادات ذات الأسواق العمالية المستقرة، ويعزز مكانتها كقوة اقتصادية صاعدة تعتمد على الكفاءة والإنتاجية، لا على الموارد الطبيعية فقط، في انتقال واضح من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد الإنتاجي القائم على المعرفة. مؤشر البطالة بين الواقع الاقتصادي والتحول الهيكلي اقتصاديًا، لا يُنظر إلى معدل البطالة المنخفض بوصفه رقمًا إحصائيًا مجردًا، بل كمرآة تعكس كفاءة الاقتصاد في استيعاب القوى العاملة وتوظيفها في أنشطة إنتاجية ذات قيمة مضافة، ومدى قدرته على تحويل النمو الاقتصادي إلى فرص عمل حقيقية ومستدامة. ويشير تسجيل 3.4 % إلى حالة قريبة من "التشغيل شبه الكامل"، وهو مستوى لا يتحقق إلا في الاقتصادات التي تمتلك قاعدة إنتاجية متنوعة، ومرونة عالية في سوق العمل، وقدرة مستمرة على خلق الوظائف دون الإضرار بالاستقرار الاقتصادي. كما يعكس هذا المؤشر ارتفاع مستوى التوازن بين العرض والطلب في سوق العمل، وتحسن مواءمة المهارات مع احتياجات القطاعات الاقتصادية، بما يحد من البطالة الهيكلية ويعزز كفاءة تخصيص الموارد البشرية، ويشير ذلك إلى تطور السياسات التعليمية والتدريبية، وفاعلية برامج التأهيل المهني، في تزويد السوق بالكفاءات المناسبة في الوقت المناسب. إضافة إلى ذلك، فإن انخفاض البطالة إلى هذا المستوى يعكس تحسن الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج، حيث يؤدي الاستخدام الأمثل للقوى العاملة إلى رفع كفاءة المنشآت، وزيادة قدرتها التنافسية، وتحسين جودة المخرجات الاقتصادية، كما يسهم في تعزيز الاستقرار الوظيفي، ما ينعكس إيجابًا على مستويات الدخل والإنفاق، ويدعم الطلب المحلي باعتباره أحد محركات النمو الاقتصادي. ومن منظور الاقتصاد الكلي، يُعد هذا المؤشر دليلًا على نجاح السياسات الاقتصادية في تحقيق التوازن بين النمو والتوظيف، وتقليل الفجوة بين النمو الاقتصادي والنمو في فرص العمل، وهي معادلة أساسية لتحقيق تنمية شاملة ومستدامة، كما يعزز من ثقة المستثمرين في بيئة الأعمال، ويؤكد قدرة الاقتصاد الوطني على استيعاب الصدمات الخارجية دون اختلالات حادة في سوق العمل. وبذلك، فإن معدل البطالة البالغ 3.4 % يمثل محطة مفصلية في مسيرة التنمية الوطنية، ودليلًا ملموسًا على أن المملكة تمضي بثبات نحو بناء سوق عمل تنافسي ومستدام، يشكل ركيزة أساسية لتعزيز مكانتها الاقتصادية إقليميًا وعالميًا، وتحقيق تنمية شاملة يقودها رأس المال البشري، وتؤسس لمستقبل أكثر ازدهارًا واستقرارًا.