لم يعد السؤال المطروح عند دخول المملكة عام 2026 هو مدى سرعة التحول، بل طبيعة هذا التحول وقدرته على الاستمرار. فبعد أعوام من التطوير الهيكلي العميق الذي أعاد رسم ملامح الاقتصاد والمجتمع، باتت السعودية أمام مرحلة مختلفة عنوانها ترسيخ النمو، وتعميق الأثر، والانتقال من إدارة التغيير إلى إدارة دولة ناجحة. اقتصاديًا، تكشف المؤشرات الدولية عن تحوّل ملموس في معادلة النمو. فبحسب توقعات صندوق النقد الدولي، يُتوقع أن يسجل الاقتصاد السعودي نموًا يقارب 4% في عام 2026، مدفوعًا بتوسع الأنشطة غير النفطية، ولا سيما في قطاعات السياحة، والصناعة، والخدمات اللوجستية، والتقنية. ويعكس هذا الرقم تغيرًا بنيويًا في مصادر النمو، حيث لم يعد النفط المحرك الأوحد، بل أحد مكونات منظومة اقتصادية أكثر تنوعًا وتوازنًا. وقد انعكس هذا التحول بوضوح على السياسة المالية. ففي 2026، تبدو إدارة المالية العامة أكثر انضباطًا ومرونة في آن واحد، مع توازن أدق بين ضبط الإنفاق وتحفيز النمو، واستخدام أكثر احترافية لأدوات التنمية والاستثمار السيادي. ولم تعد الموازنة العامة أداة استجابة لتقلبات الأسواق، بل ركيزة استقرار اقتصادي قادرة على امتصاص الصدمات الخارجية بثقة أعلى. أما على صعيد الاستثمار، فقد أعادت المملكة صياغة موقعها في خريطة تدفقات رأس المال العالمية. فالصناديق السيادية لم تعد مجرد أدوات ادخار، بل تحولت إلى منصات استراتيجية لبناء النفوذ الاقتصادي، والدخول في شراكات نوعية في مجالات الطاقة النظيفة، والتكنولوجيا المتقدمة، وسلاسل الإمداد العالمية. وفي الداخل، أسهم تحديث التشريعات وتسريع الإجراءات وتحسين الحوكمة في تعزيز جاذبية السوق السعودي كمقصد استثماري طويل الأمد. ويكتسب هذا التحول بعدًا مؤسسيًا أعمق مع تصاعد دور المدن الاقتصادية والمناطق الخاصة بوصفها مختبرات لنماذج نمو جديدة. فهذه المناطق لم تعد مجرد حوافز استثمارية، بل أدوات لإعادة تصميم العلاقة بين الدولة والسوق، وتجربة أطر تنظيمية أكثر مرونة، وجذب سلاسل قيمة عالمية متكاملة إلى الداخل السعودي. وهو ما يرفع إنتاجية الاقتصاد، ويعزز تنافسيته، ويمنح النمو طابعًا هيكليًا طويل الأمد. اجتماعيًا، يدخل المجتمع السعودي في 2026 مرحلة استقرار بعد موجة التغييرات الكبرى التي شهدها العقد الماضي. فقد أصبحت مشاركة المرأة، ودور الشباب، والتحولات في سوق العمل، واقعًا مؤسسيًا أكثر رسوخًا. غير أن التحدي الأبرز يتمثل في رفع جودة الوظائف، وتعميق المواءمة بين التعليم واحتياجات الاقتصاد الجديد، بما يضمن أن يكون رأس المال البشري محركًا أساسيًا للنمو لا مجرد عنصر تابع له. إقليميًا ودوليًا، تبرز السعودية في 2026 كقوة توازن اقتصادي وسياسي. فهي تتحرك ببراغماتية، وتوظف أدوات الاقتصاد والاستثمار والدبلوماسية لتعزيز الاستقرار، بعيدًا عن منطق الاستقطاب الحاد. ويمنح هذا التموضع المملكة وزنًا متزايدًا في قضايا الطاقة، وسلاسل الإمداد، والاستقرار الإقليمي، ويعزز دورها كشريك موثوق في النظام الدولي المتعدد الأقطاب. وقبل اكتمال العقد الأخير من «رؤية 2030»، تعمل المملكة على ضمان استدامة النمو من خلال التركيز على تعظيم أثر المبادرات لا كثرتها، وقياس نتائجها الاقتصادية والاجتماعية بدقة، وتعميق الاستثمار في رأس المال البشري، خصوصًا في المهارات التقنية والقيادية المرتبطة بالاقتصاد الجديد. كما تبرز أهمية تعزيز كفاءة المؤسسات وقدرتها على الاستمرار بعد اكتمال برامج الرؤية، بما يحوّل التحول من مشروع زمني إلى ثقافة مؤسسية راسخة، مع الحفاظ على مرونة السياسات الاقتصادية لمواكبة عالم سريع التغير. في المحصلة، تغيّرت معادلة النمو في السعودية بحلول 2026 من الاعتماد على مورد واحد إلى بناء منظومة اقتصادية متعددة المحركات. فالمملكة لا تسعى إلى تجاوز النفط بقدر ما تسعى إلى تجاوز التردد، وترسيخ نموذج تنموي أكثر نضجًا واستدامة.