في جازان، لا تؤدى الرقصات الشعبية بوصفها طقسًا احتفاليًا عابرًا، بل تُمارس بوصفها معرفة متوارثة، يكتبها الجسد حين تعجز اللغة، وتحفظها الذاكرة حين يتبدل الزمن. هنا، لا يتحرك الإنسان وحده، بل تتحرك معه الأمكنة (البحر، وتهامة، والجبل) وكل بيئة تمنح الجسد طريقته الخاصة في القول. تتشكل الذاكرة الحركية للإنسان الجازاني عبر ثلاث بيئات متجاورة، لا تتنافر بقدر ما تتكامل. فالمكان ليس جغرافيا صامتة، بل إيقاعًا خفيًا يعلم الجسد كيف يقف، وكيف يتحرك، ومتى يفرح، ومتى يشتد. في الفضاء التهامي، الممتد على الشريط الساحلي من الشقيق شمالًا إلى الطوال جنوبًا، يولد الإيقاع من الصوت، وتتشكل الحركة على مهل، وكأنها تفاوض دائم بين الأرض والبحر. تنتمي إلى هذه البيئة فنون مثل الدلع، والسيف، والعزاوي، والمعشى، والزيفة، والربش، والطارق، والخطوة، والعرضة، والجيش، والجمل، والدمة، والزامل. في هذه الفنون، يتقدم الغناء بوصفه قائد الحركة، وتصبح الإيقاعات الصوتية واللحنية هي الأساس الذي تُبنى عليه الخطوة والصف والجماعة، في تعبير عن مجتمع يتقاسم الفرح كما يتقاسم المكان. وعلى تماس مباشر مع الموج، تتشكل الفنون البحرية بوصفها الامتداد الأكثر التصاقًا بحياة البحر. وتشمل هذه الفنون: الكاسر، والعرضة، والسيف، والزامل، والدانة، والزيفة، والنبيه، والزريبي. وهنا أيضًا، تحضر الإيقاعات الصوتية واللحنية بوصفها جوهر الأداء، حيث يقود الصوت الجسد، وتُنظم الحركة على إيقاع يشبه المد والجزر، ويعكس روح العمل الجماعي، واتساع الأفق، وحيوية الفرح الساحلي. وعندما يصعد الجسد نحو الجبل، يتبدل منطق الأداء بالكامل. ففي فنون الجبل الجازاني لا تقوم الرقصة على إيقاعات تعتمد على الصوت أو اللحن، بل يتشكل الإيقاع من الجسد ذاته من الخطوة، وضرب الأرض، وانتظام الصف هنا تُصاغ الموسيقى من الحركة لا من الغناء، ويغدو الصمت جزء من الإيقاع. ويشارك المزمار في بعض هذه الفنون بوصفه عنصرًا مرافقًا، يعزز الإيقاع الحركي دون أن يقوده لحنًا أو يحل محل الجسد. تتجلى هذه الروح في العرضة الجبلية، وفي فنون مثل الدورية، والعصعة، والتكثيرة، والشارقي، والمربخة، حيث يدل التماسك الحركي على الثبات، وتغدو الجماعة صفًا واحدًا في مواجهة المكان. ويرتبط الحادي بثقافة السفر والترحال، مانحًا الجسد لحظة صوتية محدودة، قبل أن تُختتم المشاهد بالروحة، وتبرز الصفقة والشهرية بوصفهما انتظامًا جماعيًا يضبط الزمن الاجتماعي أكثر مما يضبط اللحن. وفي هذا السياق، يؤكد رئيس لجنة الفنون الشعبية والتراث بجمعية الثقافة والفنون سابقًا، عيسى غزاوي، أن الرقصات الشعبية في جازان تمثل أحد أبرز ملامح الهوية الثقافية للمنطقة، إذ تعكس تنوع بيئاتها، وتُجسد علاقة الإنسان بالمكان عبر الحركة والإيقاع، مشيرًا إلى أن هذه الفنون لم تكن مجرد أداء احتفالي، بل وسيلة لحفظ التاريخ الشفهي وتعزيز روح الجماعة عبر الأجيال. وما يجمع هذه الفنون، رغم اختلاف بيئاتها وتباين إيقاعاتها، أنها تنتمي جميعًا إلى تراث غير مادي حي لا يزال يُمارس في الأعراس والمناسبات والمهرجانات. فهي ليست أثرًا من الماضي، بل فعل حضور مستمر، يذكر بأن الجسد حين يحمل الثقافة يصبح أكثر وفاء للذاكرة.. وأكثر قدرة على البقاء.