لا يكتب علي محمد هتان الشعر بوصفه تمرينًا لغويًا أو اشتغالًا جماليًا معزولًا، بل يتعامل معه باعتباره طريقة أخرى للوجود، ومسارًا فلسفيًا لفهم العالم. فالشعر لديه ليس وصفًا لما يُرى، بل محاولة دائمة للإمساك بما يتوارى خلف الأشياء، وما تعجز عنه الحواس الأولى. في قرية السلامة العليا بمنطقة جازان، تشكّلت بذور هذه الرؤية المبكرة؛ هناك تعلّم الإصغاء قبل النظر، وتكوّنت علاقته بالصوت والذاكرة والطبيعة. وفي سن مبكرة، كتب أول أبياته في المرحلة المتوسطة، معلنًا عن حساسية شعرية مشدودة إلى القلق، والانتظار، والبوح. لم تنشأ هذه التجربة في فراغ؛ فقد وُلد هتان في بيت جده المتدين، حيث حضرت القيم بوصفها معنى وسلوكًا قبل أن تكون خطابًا. وفي المقابل، فتحت له مكتبة خاله أفقًا معرفيًا واسعًا؛ فقرأ الأدب الجاهلي، وتتبع مسارات الشعر الأموي والعباسي والأندلسي، واطلع على الأدب العربي الحديث، إلى جانب قراءاته المبكرة للرواية وبعض الكتب العالمية منذ سن الثانية عشرة. وبين التراث والحداثة، تبلورت ذائقته الشعرية، متأثرة بتجربة عمر أبو ريشة، وبميل واضح إلى المدرسة الرمزية المتوسطة، مع انفتاح على الرومانسية أحيانًا. وفي سياق هذا التكوين، كان لمعلمي اللغة العربية أثر حاسم في صقل الموهبة ومنحها الثقة. ويستعيد علي محمد هتان تلك اللحظة المفصلية حين قال له أستاذه محمد عبدالله خواجي: "أنت مشروع أديب" وهي عبارة لم تكن تشجيعًا عابرًا، بقدر ما كانت وعيًا مبكرًا بما يتشككا في النص واللغة، وأسهمت في ترسيخ علاقته بالكتابة بوصفها مسارًا وجوديًا لا هواية مؤقتة. يرى هتان نفسه جزء من معادلة ثقافية لا تقوم على الموهبة وحدها، بل على القراءة، والتجربة، والبيئة، والاحتكاك، والدور الاجتماعي للشاعر. لذلك لا تأتي قصيدته من اللغة مباشرة، بل من إحساس سابق عليها. ويؤكد أن: "القصيدة، مهما حلقت في سماوات المجاز، لا بد أن تبدأ من واقع مُلح، لتنطلق بعد ذلك إلى فضاءات الخيال»، التحول الأعمق في تجربة علي محمد هتان جاء بعد فقدانه البصر عقب المرحلة الثانوية، في تجربة لم تكن جسدية فحسب، بل إنسانية قاسية ارتبطت بحزنه العميق على والدته. ويصف تلك المرحلة بوصفها انتقالًا مؤلمًا من الصورة إلى المعنى، ومن المرئي إلى ما يتكون في الداخل. أصدر هتان ديوانًا شعريًا واحدًا بعنوان (أنثى الطين) ويؤكد أن ديوانه الثاني سيصدر بلغة برايل، في خطوة تحمل بعدًا فلسفيًا وإنسانيًا، تعيد تعريف علاقة الشعر بالقارئ، وباللغة بوصفها حقًا مشتركًا لا يُقصي أحدًا. في تجربة علي محمد هتان لا تكون القصيدة نهاية الطريق بل بدايته سؤالًا مفتوحًا على المعنى، وبصيرة ترى ما وراء المرئي، حيث سماء الشعر لا حدود لها.