أتوقف طويلًا أمام مشهد الإنسان حين يتشبّث برأيه أو موقفه وكأنّه قد حاز به صكوك الحقيقة. فهو ليس اقتناعًا حيًّا قابلًا للمراجعة بقدر ما هو موضع احتماءٍ آثر المكوث فيه عنادًا. يُثيرني هذا السكون المُعلَن الذي يُخفي توتّرًا داخليًا، فثمّة مشهدٌ يتكرّر في الحياة أكثر ممّا نظن.. إنسانٌ متشبّثٌ بشجرة، لا لأنها آمنته من خطر، بل لأنه تسلَّقها في لحظة اندفاع، أو كبرياء زائف. والآن.. هو هناك مرتفع قليلًا عن الأرض.. بعيد قليلًا عن البساطة.. قريب جدًا من الحرج. فلا هو قادر على القفز، ولا هو مستعد أن يعترف بأنّ الصعود كان خطأ، وأنّ الصمود ليس إلا شططًا. أُفكّر فيه كمن لا يرجو سُموًّا، بل هربًا من مواجهة الأرض؛ إذ يتكاثف عليه الحرج كلّما أمعنَ في التشبّث.. حرج السؤال، وحرج التناقض، وحرج الصورة التي رسمها لنفسه أمام الآخرين. وحين يبلغ موضعًا يصير فيه النزول مكشوفًا فإنّ عناده لا يغدو موقفًا فكريًا، بل حيلة نفسية لتجنّب الاعتراف. فالتشبّث بالقناعة هنا لا يصدر عن يقين بقدر ما يصدر عن خشيةٍ من انكسار المشهد في عينيه، وكأن النزول ليس عودة إلى التوازن، بل افتضاح للارتباك الذي رافق الصعود منذ البداية. إنّ كلمةً قيلت في غير موضعها ثم تحوّلت إلى قيد. لهي الشجرةُ الفكرةُ التي نلوذ بها ونذود عنها بعنفٍ أعمى؛ لأنها أصبحت وهمًا كرامتَنا التي نأبى أن تُهدَر، وصارت عبثًا كلمتَنا التي لا ينبغي لها أن تُكسَر. فرُبّ كلمةٍ قالت لصاحبها دعني، ورُبّ شجرةٍ قالت لمتسلقها اتركني. وكلّما طال الوقوف فوقها ازداد ثقل النزول؛ حيث النزول في أعيننا اعتراف، والاعتراف في أذهاننا هزيمة. وهكذا فالإنسان المتورّط لا يخاف السقوط بقدر ما يخاف المشهد.. إنّه يخاف تلك الأعين والضحكات والتأويلات، ويخاف أن يُقال عنه: "تراجع" أو "غيّر رأيه" أو "انهزم". لذلك يمكث مُتجمدًا يُقنع نفسه أنّ البقاء فوق الشجرة بطولة، وأن العلوّ أيَّ علوٍّ فضيلة، ولو كان يُعانق به عنان الفراغ. فمن جِبلّة بعضهم أنّ المكابرة لا تبدأ عنادًا، وإنّما خوفًا من الانحسار وأن يبدو أقل كمالًا ممّا رسمه لنفسه، أو خشيةً على صورةٍ مثالية صنعها لذاته. ولذلك فإنّ الاعتراف بالخطأ لا يكون صعبًا لأنّ الخطأ ثقيل، بل لأنّ الأنا هشّة تخشى من الانكشاف إذا ما تطايرت أقنعتها وحُسِر عن حقيقتها. لم تكن الحكمة في التراث الإنساني قرينة الجزم، بل قرينة التردّد الواعي؛ إذ السؤال أرفع من الجواب، والشكّ أصدق من الادّعاء، والأناة أشدّ من الصُّرعة. غير أنّ الإنسان الحديث المُثقل بالظهور والآراء السريعة والتصفيق اللحظي أضحى مُطالبًا أن يكون ثابتًا دائمًا، وواثقًا دائمًا، ومنتصرًا دائمًا. ومن هنا بدأت الأشجار تتكاثر دائمًا. ليس أصعب من النزول من الشجرة إلا البقاء فوقها طويلًا. فالأغصان لا تَبقى كما هي؛ حتى إذا ما تيبّست مع الوقت تحوّلت من سند إلى تهديد. وعليه فما كان في البداية موقفًا فكريًّا يتحوّل مع الوقت إلى عبء نفسي، ثُمّ عُزلة في الأعلى، فلا أحد يصعد ليواسيك بقدر ما ينتظر الجميع سقوطك. والحق أنّ الإنسان حين يقول: "أخطأت"، فهو لا ينقص بل يعود إلى حجمه الطبيعي القابل للتعلّم. فمن لا يُخطئ ليس سوى إنسان لا يفكّر. فمنذ سقراط كانت الحكمة تبدأ حيث ينتهي الادّعاء، فلم تكن الحكمة ابنَة الامتلاء أبدًا، وإنّما ثمرة الفراغ الواعي، فهو لم يؤسِّس فلسفته على امتلاك الحقيقة، بل على الاعتراف؛ حيث يقول: "أعلم أنني لا أعلم". فلم تكن هذه الجملة تواضعًا أخلاقيًا فحسب، بل تمرينًا فلسفيًا على النزول المُبكِّر من الشجرة قبل أن تلتفّ أغصانها حوله. إنّ الإنسان العالق على الشجرة يتخيّل النزول اعتذارًا للآخرين، بينما هو في جوهره اعتذارٌ للذات وللضمير الذي خُنق طويلًا تحت ضغط الصورة، إذ النزول لا يعني على أبعد احتمالٍ أنّ الآخرين كانوا على صواب، بل يعني أنّك اخترت أن تكون صادقًا. والصدق في ميزان المعنى أثقل وزنًا من التوافق. لذلك يرى بوبر أنّ التقدّم الإنساني لا يقوم على الحقائق النهائية، بل على الاعتراف بالأخطاء وتصحيحها. فالخطأ الذي نعترف به يتحوّل إلى معرفة، أمّا الخطأ الذي نُكابر فيه فيتحوّل إلى قيد. نحن لا نُحرَج لأننا أخطأنا، بل لأننا أنكرنا الخطأ طويلًا، ثم صار الاعتراف به كشفًا لمسرحية كاملة. وكلما طال العرض زادت رهبة إسدال الستار. لكن الشجاعة الحقيقية لا تكمن في التمثيل المتقن، بل في التملص من الدور عندما يُصبح زائفًا. وحتى تنزل من الشجرة فإنّك لا تحتاج إلى طويلِ تبرير، ولا إلى خطاب دفاعي، وإنّما إلى تصالحٍ مع الحقيقة.. حقيقةِ أنّك إنسان، وأنّ الخطأ جزء من رحلتك لا وصمة عارٍ في سيرتك، وأنّ الكرامة لا تقطن الأعلى دائمًا، بل تقطن المكان الذي يلائمك وتختاره بوعي.