في التجربة الوجودية (لولد آدم) تمكن في العطاء والنفع المتجاوز للناس ليتحقق من خلال تلك المعاني السامية معنى الاستخلاف في الأرض، كمعنى فاضل يعكس تجربة الوجود، فالناس بالضرورة تقف على قدم المساواة جبراً لا طوعية، وحين تتفاوت في العطاء يتجلى لنا مدى القدرة على تحقيق مبادئ الاستعمار للأرض على قاعدة (واستعمركم فيها) وبالتالي ندرك تماماً المرتبة التي يكون فيها الإنسان فالعلاقات يفرضها نظام رباني (كلكم لآدم) وهذه الواحدية لا تلغي التنوع والتعدد والاختلاف، فالاختلاف سمة حضارية، ولولا هذه الخاصية لما استقامت الحياة، من خلال بعد الثنائيات الوجودية المتعارف عليها، كضرورة تستقيم معها الحياة فهناك ذكر وأنثى، وصغير وكبير، وفقير وغني وحاكم ومحكوم، وبائع ومشترٍ وغيرها من الثنائيات الوجودية المتعددة. إن الولوج طواعية في مفهوم ولد أدم يتحقق معه معنى الإنسانية ليس لأنه أبو البشر فحسب، بل لأنه لَقبٌ يمنح الإنسان القيمة الحضارية والإنسانية وتستقيم معه معاني الآدمية الحقة، الآدمية بوصفها شاهداً حياً على الاتجاهين اللغوي والتاريخي، ففي الاتجاه اللغوي، فإن كلمة آدمي تدل على ما هو إنساني لطيف ذو خُلق، وتستخدم لوصف السلوك أو الصفات الإنسانية على عكس ما هو حيواني، وهي كلمة تعزز مفهوم الإنسانية والصفات الطيبة، وفي الاتجاه التاريخي تعتبر كلمة آدم عن شخصية مركزية في قصة الخلق، وكذا في الثقافات الإنسانية التي ارتبطت بالبدايات الأولى للبشرية، في رحلة يطول سياقها حين الإقرار بالحقائق الموضوعية الحياتية، وقد تغلب الإنسان ببراعة على كل مشاق الحياة ومتاعبها في رحلة دهرية منذ الخلق الأول، وحين نفقد هذا المفهوم أو يفرغ من محتواه، نفقد كل معاني الإنسانية والقيم النبيلة، وهكذا هي سياقات العقل والوعي والحكمة والمنطق التي تتطلب كل معاني التعامل الحضاري والإنساني والتعاون بين بني البشر، اليوم نحن في المملكة بفضل سياسات حكيمة شرعت لأنظمة جديدة وفتحت مسارات لرؤية الوطن سعت من خلالها لتوفير بيئات تتجاوز البناء الاقتصادي العالمي إلى أفق أرحب، من اجل مستقبل مشرق ثقافيا للتواصل الحضاري مع البشرية، وقدرنا في المملكة إننا نقع في قلب العالم وفي ملتقى الطرق للقارات الثلاث ومهدا للحضارات الإنسانية، ولذا سعت المملكة إلى توفير بيئات جاذبة ثقافياً لتصبح مركزاً أساسياً للقيم الحضارية والثقافية، بعد أن ارتكزت رؤية الوطن على ثلاثة محاور ومنها حيوية المجتمع، وهذه الحيوية تكمن في تفاعله الحضاري والثقافي من القيم الإنسانية النبيلة التي تضعه في موضع الرمز للآدمية الحقيقية، وفي سياق الوضع التاريخي والحضاري والإنساني، وفي حقيقة الموقع الجغرافي، كل ذلك لاشك يقع علينا فيه العبء والمسؤولية ليضعنا ضمن النموذج الأبرز والمتميز، لنكون منارة للعالم بتعايش صادق وحميمة دافئة مع الأسرة الكبيرة والواسعة في القرية الكونية وإن تنوّعَ وتباين فيها ولد آدم... وإلى لقاء