في لحظاتٍ نادرة، يسبق الإحساس الخبر، وتتحرك الذاكرة قبل الإعلان. هكذا تبدو الرياض وهي تتهيأ لعودة صوتٍ ظل حاضرًا في الوجدان حتى وهو بعيد عن المسرح. في الثلاثين من يناير، يعود راشد الماجد ليقف من جديد أمام جمهوره، في أمسية لا تُقرأ كحفل غنائي فحسب، بل كلحظة استعادة عميقة لمسارٍ فني طويل تشكّل بهدوء، وتراكم دون استعجال. ليلة "وعاد راشد"، عنوان جاء أقرّب إلى جملة وجدانية منه إلى اسم فعالية، كلمة واحدة تُغني عن الشرح، لتفتح باب الحنين على مصراعيه، فالعودة ليست إعلان حضور بعد غياب، بل امتداد علاقة لم تنقطع يومًا، علاقة ظلّت الأغنيات فيها تؤدي دورها الطبيعي، بعيدًا عن الأضواء، وقريبة من تفاصيل الناس اليومية. لم يكن الغياب قطيعة مع الجمهور، بل مسافة زمنية سمحت للصوت أن يستقر أكثر، وأن يتحول من لحظة استماع إلى جزء من الذاكرة الشخصية. أغنيات راشد الماجد عاشت مع مستمعيها في لحظات متباينة؛ في بدايات، وفي نهايات، في فرحٍ عابر، وفي حنينٍ طويل. ومع مرور السنوات، لم تفقد بريقها، بل اكتسبت عمقًا إضافيًا، وكأن الزمن كان يعمل لصالحها بصمت. تأتي العودة ضمن فعاليات موسم الرياض، الذي أصبح منصة تستوعب مختلف أشكال التعبير الفني، وتعيد وصل الأسماء الكبيرة بجمهورها في سياقات جديدة. غير أن حضور راشد الماجد في هذا الإطار يتخذ مسارًا مختلفًا، حيث يتقدم الإحساس على الاستعراض، وتغدو الأمسية أقرب إلى لقاء وجداني مفتوح، تُترك فيه المساحة للأغنية كي تتنفس على مهل. على المسرح، لا يُنتظر مشهد صاخب أو إيقاع متسارع، بل حضور متزن يراكم أثره مع كل لحن. صوت يعرف متى يقترب، ومتى يترك مسافة كافية ليصل الإحساس دون ضغط. الأغنيات تتوالى كما لو أنها صفحات من دفتر قديم، لكل صفحة قصتها الخاصة، ولكل مستمع طريقته في قراءتها. ومع كل مقطع، تتشكل لحظة جماعية نادرة، يتوحّد فيها الصوت والجمهور في إحساسٍ واحد، دون حاجة إلى مقدمات. تنظيم الأمسية تتولاه روتانا، في إطار يراهن على البساطة المدروسة، وعلى تقديم ليلة تحترم قيمة الاسم العائد، وخصوصية العلاقة التي تربطه بجمهوره. كل تفصيلة في التنظيم تبدو موجهة لخدمة الجو العام، لا لمزاحمته، في انسجام يعكس فهمًا لطبيعة هذه العودة وما تحمله من رمزية. اللافت في هذه الليلة أنها تجمع أجيالًا مختلفة في مساحة واحدة. جمهور عاش البدايات الأولى، وآخر تعرّف على الأغنيات في مراحل لاحقة، يلتقون على صوتٍ واحد، ويشتركون في ذاكرة وإن اختلفت تفاصيلها. هنا، تتحول الأمسية إلى حدث عاطفي جماعي، تتقاطع فيه الحكايات الشخصية، وتذوب الفوارق الزمنية أمام لحنٍ مألوف. ومع اقتراب موعد طرح التذاكر، يتسع الانتظار، ويزداد الترقب لليلة يُتوقع أن تُكتب ضمن أبرز محطات الموسم الفني في الرياض. ليلة لا تقوم على عنصر المفاجأة، بل على قوة الاستمرارية، وعلى قيمة صوتٍ اختار أن يعود في توقيتٍ يعرف فيه الجميع معنى هذا الحضور. في تلك الأمسية، تتقدم الأغنية بهدوء لتقود المشهد، ويستعيد الصوت مكانه الطبيعي دون ضجيج. عودة تحمل في تفاصيلها طمأنينة التجربة، وفي نبرتها صدق المسار، لتؤكد أن بعض الأصوات، مهما ابتعدت، تعود وهي أكثر التصاقًا بالذاكرة، وأكثر قدرة على ملامسة الإحساس.