ليس الغناء في بعض تجلياتة فعل طرب عابراً، بل فعل استدعاء للذاكرة، ومحاولة واعية لترميم ما تهشم في الوجدان عبر الزمن. من هذا الأفق، جاءت أمسية (أجمل من الأخيلة) التي أُقيمت ضمن برامج (مجالسيات) في مكتبة التعاون العامة (بيت الثقافة)، بوصفها مساحة للإصغاء العميق، حيث تحولت الأغنية إلى لغة ثانية للذاكرة، وإلى جسر حي يصل الماضي بالحاضر، والصوت بأثره الإنساني الباقي. وأحيا الأمسية الفنان محمد شموط، مقدماً ست عشرة أغنية من روائع فنان العرب محمد عبده، بمشاركة الفرقة الموسيقية، في تجربة لم تتكئ على الحنين وحده، بل أعادت طرح السؤال الجوهري: لماذا تبقى الأغنية الكبيرة حية؟ وكيف تستطيع أن تعبر الأزمنة، من غير أن تفقد معناها أو صدقها...؟ وفي حديثٍ ل«الرياض»، قالت والدة الفنان محمد شموط: إن شغف ابنها بالموسيقى والعزف بدأ منذ أن كان في الخامسة من عمره، واستمر هذا الميل معه عامًا بعد عام، حتى أصبح اليوم شابًا في السابعة والعشرين، مؤكدة أن الموهبة حين تُكتشف مبكرًا وتُصان، لا تكبر فقط، بل تنضج، وتتحول إلى مسار إبداعي واعٍ بذاته. وجاءت فقرات الأمسية كرحلة موسيقية في مناخات الأغنية العربية الأصيلة، حيث تداخل الشجن بالحنين، وتحولت الكلمة المُغناة إلى مرآة للذاكرة الجمعية. وقدم شموط باقة من الأعمال التي شكلت محطات مفصلية في مسيرة فنان العرب، شملت: "المعازيم، صوتك ينادي، بنت النور، مذهلة، أبعاد، اختلفنا، يا غايبة، الأماكن، أبعتذر، الرسائل، ليلة خميس، لنا الله، سلم عليا بعينك، نسيم الليل، غريب الدار" وسط تفاعل وجداني لافت من الحضور، أعاد للأغنية دورها بوصفها خبرة مشتركة لا مجرد استماع. واتسم الأداء بالاتزان الطربي والوعي بجماليات النص واللحن، في تجربة لم تنشغل بمحاكاة الصوت، بقدر ما اشتغلت على استحضار روحه، مؤكدة أن الأغنية الراسخة في الذاكرة لا تُعاد كما كانت، بل تُعاد قراءتها في كل مرة، وفق وعي المؤدي والسياق الذي تُقدم فيه، لتغدو كما بدت في هذه الأمسية أكثر من أغنية، وأقرب إلى ذاكرة تتجدد.