قال رسول الله: "إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق"، وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه:«إذا فقدتَ المالَ لم تفقد شيئًا، وإذا فقدتَ الصحةَ فقدتَ بعض الشيء، وإذا فقدتَ الأخلاقَ فقدتَ كلَّ شيء». وهما قولان يختصران حقيقة راسخة مفادها أن الأخلاق ليست قيمة هامشية في حياة الإنسان، بل هي جوهر الوجود الإنساني، وأساس رقيّ المجتمعات واستقرارها. فبنُبل اللفظ، وسلامة النية، وحُسن الظن، تُبنى المجتمعات القوية، وتترسخ العلاقات الإنسانية على قواعد متينة من الاحترام والثقة. وعلى النقيض من ذلك، فإن سوء الظن، وتتبع أخطاء الآخرين، وتداول الأحاديث بغير تثبّت، لا تثمر إلا اتساع دائرة الكراهية، وقطع الأرحام، وتفريق الأحبة، وتفكك كثير من منظومات العمل، حين تتسلل إليها الوشاية وتغيب القيم. ولعل من المؤسف أن يغيب عن الوعي الاجتماعي التحذير من ازدواجية الوجه والموقف، رغم تزايد مظاهرها في السنوات الأخيرة واستفحال آثارها، حتى باتت تُشوّه المجالس، وتُفسد العلاقات، وتزرع الفتنة بين الناس. وهو واقع يدفع العاقل أسفًا إلى اعتماد قدر من التحفّظ في التعامل، وترك مسافة آمنة مع من يخالط، والالتزام بالرسمية والاتزان، دون إفراط في الثقة أو تعمّق غير محسوب؛ فليس كل من نُخالط أهلًا للبوح، ولا كل من نُحسن به الظن جديرًا بحمل الخصوصيات وصون الأسرار. وكثيرًا ما تأتي سهام الأذى من أولئك الذين منحناهم الثقة وأخلصنا لهم النية، ولذلك لا ينبغي للمرء أن ينتظر وقوع الأذى حتى يعيد رسم حدود العلاقة من جديد، فالحكمة تقتضي المراجعة المبكرة وصيانة النفس. وفي هذا السياق، قال الإمام الشافعي رحمه الله: "جزى الله الشدائدَ كلَّ خيرٍوإن كانت تُغصِّصني بريقي، وما شكري لها حمدًا، ولكن عرفتُ بها عدوّي من صديقي". مع ذلك، يبقى الامتنان حاضرًا حين يمنّ الله على المرء بدائرة صادقة من الصديقات الوفيات، وبأسرة كريمة مترابطة، كالبنيان المرصوص، إذا اشتكى أحد أعضائها تداعى له الباقون بالوفاء والإخلاص، فكانوا مصدر سعادة ومسرّة لا حدّ لهما. غير أن الخروج من هذا الإطار المطمئن إلى فضاءات اجتماعية أوسع قد يكشف عن صور مغايرة؛ صراعات واهية، وجدليات مؤسفة، ونوايا لا يعلم حقيقتها إلا الله. فإن وافقت تلك النوايا الحقيقة لم يكن لصاحبها أجر، وإن جانبت الصواب كُتب عليه إثم عظيم. وإذا كنا لا نُحيط علمًا بنوايانا نحن، فكيف بنا ونحن نحاكم نوايا الآخرين؟ ولعل من أبلغ ما قيل في حُسن الظن ما نُسب إلى أحد السلف الصالح: "لو رأيتُ أحد إخواني ولحيته تقطر خمرًا، لقلتُ: لعلها سُكبت عليه، ولو وجدته واقفًا على جبل يقول: أنا ربكم الأعلى، لقلتُ: يقرأ الآية". إن التسامح، والعفو، وحُسن الظن، هي المعايير الحقيقية للعلاقات الإنسانية الناضجة، ولا سيما الصداقة الصادقة. وليس من الحكمة استفزاز من نحب أو محاسبته على ردود أفعال غالبًا ما تكون انعكاسًا مباشرًا للأفعال ذاتها، أو أشد وقعًا؛ فقد قيل: اتقِ الحليم إذا غضب. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في أساليب تعاملنا مع الآخرين، وتعاطينا مع الخلافات والمصالح، دون تجاوز للأخلاقيات، أو قفز على الثوابت، أو كسر لقيم الإنسانية، طلبًا لمكاسب آنية، أو سعيًا إلى تميّز زائف على حساب العلاقات الصادقة.ولو انشغل كل امرئ بعيوبه، واجتهد في إصلاحها وتهذيبها، بدل تتبع عثرات غيره، لصلحت أحوال مجتمعاتنا، وسادها الوئام بدل التنافر. وفي الختام، يحسن التذكير بما رُوي عن الخليفة الأموي العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله، إذ دخل عليه رجل فذكر له عن آخر أمرًا، فقال له: "إن شئتَ نظرنا في أمرك؛ فإن كنتَ كاذبًا فأنت من أهل هذه الآية:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا، وإن كنتَ صادقًا فأنت من أهل هذه الآية:هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ،وإن شئتَ عفونا عنك". فقال الرجل: العفو يا أمير المؤمنين، لا أعود إليه أبدًا. الباحثة الاجتماعية*