تعكف المملكة على تعزيز مكانتها الاستراتيجية في قطاع التعدين الواعد بالكثير من المبادرات الاستكشافية واسعة النطاق، وتوفير بيئة استثمارية محفزة للشركات المحلية والدولية وسط مساعي مضنية لتطوير البنى التحتية، والتجهيزات الأساسية التي تستند إلى التكنولوجيا المتقدمة بأكبر الفرص الاستثمارية المبتكرة في جميع مراحل سلسلة القيمة التعدينية، والتي تؤكد نجاح المملكة في مضيها قدما نحو تنويع اقتصادها وعدم اعتمادها على النفط كمصدر رئيس للواردات بخطى واثقة تجاوزت مستهدفات رؤية المملكة 2030 قبل أوانها حيث أضحت القطاعات غير النفطية تفوق 50% من عائدات البلاد في هذا العهد الزاهر. وأعلنت المملكة عن إطلاق مبادرة جديدة تهدف إلى تمكين البنية التحتية لقطاع المعادن عبر صندوق التعدين، وذلك بالشراكة مع الهيئة السعودية للمدن الصناعية ومناطق التقنية "مدن". كما تم تدشين بوابة تمويل مخصصة لدعم القطاع. ونوه وزير الصناعة والثروة المعدنية بندر الخريف في مؤتمر التعدين الدولي في الرياض، الذي انطلق تحت شعار "بزوغ قضية عالمية"، إلى أن قطاع المعادن لم يعد نشاطًا اقتصاديًا تقليديًا، بل أصبح قضية تمس مستقبل الطاقة والاقتصاد والتقنية والصناعة، ملفتاً إلى أن التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة لن تكون ممكنة دون المعادن الحرجة، مما يجعل بناء سلاسل قيمة مسؤولة ومرنة ضرورة عالمية وليست خيارًا. وأشار إلى أن المملكة تعتز بقطاع التعدين، الذي يزدهر بشكل مستدام وصديق للمستثمرين، ويقود التنويع الاقتصادي في المملكة ويوسع التزامها لإطلاق العنان لإمكانات التعدين المقدرة ب2.5 تريليون دولار من خلال زيادة فرص الاستكشاف عبر صفقات وعطاءات تنافسية. ويتمثل أول مشاريع مبادرة "تمكين البنية التحتية التعدينية" في إنشاء خط أنابيب للمياه المعالجة بطول 75 كيلومترًا لدعم مشاريع منطقة جبل صايد، حيث ستعالج هذه المبادرة واحدة من أكبر تحديات الصناعة، وهي تهيئة البنية الأساسية التي تسرّع تطوير المشاريع وتقلل تكلفتها على المستثمرين. في وقت، أعلنت السعودية عن فتح إمكانات معدنية تقدر ب2.5 تريليون دولار من خلال جولات تنافسية للاستكشاف والترخيص حتى الآن. وتم طرح أكثر من 30 ألف كيلومتر مربع في جولات التراخيص. والجولة التاسعة وحدها شهدت منح 172 موقعًا تعدينيًا ل24 شركة وتحالفًا، لتصبح أكبر جولة ترخيص حتى الآن. وارتفع الإنفاق على الاستكشاف أكثر من 5 أضعاف منذ عام 2020، وهو مؤشر واضح على ثقة المستثمرين ونمو الفرص. ويبرز منجم الخنيقية، الذي أطلق قبل نحو 4 سنوات، كأحد أبرز الدلائل حيث انتهت أعمال الاستكشاف فيه بنجاح، وتم إصدار الرخصة النهائية للمنجم ليتم تشغيله من خلال شراكة سعودية أجنبية. هذا المنجم يتيح إنتاج مواد رئيسة مثل النحاس والزنك داخل السعودية، مما يعكس نجاح استراتيجيات المملكة في تطوير المشاريع التعدينية بالشراكة مع مستثمرين عالميين مع الحفاظ على الاستفادة من القدرات المحلية. جولات استثنائية لعامي 2026 و2027 ونجحت جهود استمرار توفير فرص الاستكشاف من خلال جولات استثنائية خلال عامي 2026 و2027، بينما ستركز المرحلة المقبلة على زيادة جهود الاستكشاف، وفهم الموارد الطبيعية المتاحة بدقة أكبر، وتحديد الفرص الاستثمارية المحتملة قبل الانتقال إلى مرحلة الاستثمار والتطوير الفعلي للمشاريع التعدينية. وأنجزت المسوحات الجيوفيزيائية والجيوكيميائية لدرع الجزيرة العربية بنسبة 100%، وهو إنجاز علمي كبير يبني قاعدة بيانات دقيقة تمكن المستثمرين من اتخاذ القرار وتقليل المخاطر. وكانت المملكة قادرة على إنجاز الكثير من عمليات المسح ورسم الخرائط للدرع العربي، وارتفع الإنفاق على الاستكشاف من 54.6 مليار دولار ليصل إلى أكثر من 80 مليار دولار في 2024. هذه الخطوة تمثل نقلة من الاستكشاف التقليدي إلى الاستكشاف المبني على البيانات، وتدعم هدف تحويل السعودية إلى مركز عالمي لعلوم الأرض والتعدين. في وقت احتلت السعودية المرتبة الأولى عالميًا في الاستقرار السياسي، والمرتبة 23 في جاذبية الاستثمار بعد أن كانت 104 في عام 2013، وفقًا لمعهد "فرايزر" العالمي. وجاء هذا التحسن الكبير نتيجة إصلاحات تشريعية وتنظيمية، وبنية تحتية قوية، واستراتيجية واضحة لخلق بيئة استثمارية منافسة عالميًا، خصوصًا في قطاع التعدين والصناعة، فيما تكرس السعودية جهودًا كبيرة على صعيد تمويل المشاريع التعدينية، سواء من خلال البنوك التنموية المحلية أو الصندوق الصناعي، إضافة إلى استقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة. إضافة إلى وجود شراكات مع بنوك دولية مثل بنك مونتريال لتوفير الدعم المالي للمستثمرين، بالإضافة إلى جلسات وفعاليات خلال المؤتمر لعرض الفرص المتاحة في قطاع التعدين السعودي وإيجاد حلول تمويلية مستدامة. في هذا المنحى، أكد وزير الاستثمار خالد الفالح أن حجم الاستثمار اللازم في سلسلة القيمة للقطاع يقدر بنحو 5 تريليونات دولار خلال 10 أعوام، وفقًا لتقديرات مؤسسات استشارية دولية. وأشار إلى أن السعودية تعيد استثمار الأموال التي تحصل عليها الحكومة من قطاع التعدين في سد الثغرات التي لا يتعامل معها القطاع الخاص، مع الحرص على توفير البيانات والبنية التحتية اللازمة لتشجيع الاستثمار. وقال روبرت ويلت، الرئيس التنفيذي لشركة "معادن" السعودية، إن الشركة خصصت 110 مليارات دولار للاستثمار في قطاع المعادن خلال السنوات العشر المقبلة. وأوضح أن الشركة ضاعفت أعمالها في مجال الألمنيوم، وزادت أعمال استكشاف الذهب إلى ثلاثة أضعاف. وأشار إلى أن الشركة ستوقع هذا الأسبوع شراكة لاستقطاب الآلاف من مطوري المشاريع والمهندسين من أفضل الشركات العالمية، موضحًا أن الشركة تحتاج إلى توظيف 5 آلاف شخص بشكل مباشر خلال 5 أعوام. وعلى هامش مؤتمر التعدين الدولي الذي استضافته الرياض خلال الفترة من 13 حتى 15 يناير الجاري، وقّعت وزارة الصناعة والثروة المعدنية مذكرات التفاهم مع وزارة التعدين في تشيلي، وإدارة الموارد الطبيعية في كندا، ووزارة المناجم والطاقة في البرازيل. تهدف هذه الخطوة إلى تعميق التعاون الفني والاستثماري، وتبادل الخبرات في تطوير الثروات المعدنية، بما يخدم المصالح المشتركة ويعزز الاستدامة في قطاع يُعد من أسرع القطاعات نموًا في الاقتصاد السعودي. يأتي هذا التوسع في الشراكات الدولية بالتوازي مع تحركات دبلوماسية واقتصادية أوسع، إذ شهدت الرياض الثلاثاء الماضي اجتماعات أمريكية سعودية مرتبطة بقطاعي التعدين والذكاء الاصطناعي، وُصفت بالمثمرة. تناولت الاجتماعات دفع الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في مجال الذكاء الاصطناعي، مع تركيز على تأمين المعادن الحيوية وسلاسل الإمداد المرنة اللازمة لتغذية ثورة الذكاء الاصطناعي، وبناء البنية التحتية المادية للمستقبل، معًا.